تعد الغنوصية الفالنتينية واحدة من أكثر الأنظمة الغنوصية تطوراً وتأثيراً في المشهد الديني للقرن الثاني الميلادي، حيث مثلت مدرسة فكرية لاهوتية متكاملة استطاعت أن تجذب أتباعاً كثراً وتترك أثراً بارزاً في تاريخ المسيحية المبكرة. تمثل الغنوصية الفالنتينية رؤية فلسفية ودينية معقدة تجسدت من خلال مؤسسها فالنتينوس، الذي قدم نظاماً تأويلياً متميزاً للوجود والإنسان والخلاص.
الأصول التاريخية والشخصية المؤسسة
ظهرت الغنوصية الفالنتينية في منتصف القرن الثاني الميلادي على يد فالنتينوس المصري (حوالي 100-160 ميلادي)، وهو أحد أبرز اللاهوتيين الغنوصيين في العصر المسيحي المبكر. تشير المصادر التاريخية إلى أن فالنتينوس ولد في دلتا النيل وتلقى تعليمه في الإسكندرية، تلك المركز الثقافي والفلسفي المهم في العالم القديم، حيث تأثر بالتيارات الفكرية المختلفة التي كانت سائدة آنذاك .
انتقل فالنتينوس لاحقاً إلى روما حوالي عام 136 ميلادي، حيث أسس مدرسته الغنوصية وبدأ بنشر تعاليمه. وتشير بعض المصادر، مثل ترتليان، إلى أن فالنتينوس كان مرشحاً لمنصب أسقف روما حوالي عام 143 ميلادي، لكن عندما تم اختيار شخص آخر غيره، انفصل عن الكنيسة وطور عقيدته الغنوصية بشكل مستقل. هذه الحادثة التاريخية تمثل نقطة تحول مهمة في تطور الغنوصية الفالنتينية، حيث بدأت تأخذ مساراً مستقلاً عن المسيحية التقليدية.
انتشرت الغنوصية الفالنتينية على نطاق واسع وتنوعت إلى مدرستين رئيسيتين: المدرسة الشرقية والمدرسة الغربية (الإيطالية)، مما يدل على القبول الواسع الذي حظيت به هذه الحركة في العالم القديم. وقد استمرت الغنوصية الفالنتينية في التأثير لعدة قرون، على الرغم من معارضة آباء الكنيسة لها ووصفها بالهرطقة.
للإطلاع على تاريخ إبليس في الأديان
الأسس اللاهوتية والفلسفية للغنوصية الفالنتينية
تقوم الغنوصية الفالنتينية على نظام لاهوتي معقد يستند إلى رؤية ثنائية للوجود تمايز بين العالم الإلهي النوراني والعالم المادي المظلم. في قلب هذا النظام تقف فكرة “البليروما” (Pleroma) أو “الملء”، التي تشير إلى العالم الإلهي الكامل الذي يحتوي على الثنائيات الإلهية المتكاملة .
في وجهة نظر الغنوصية الفالنتينية، فإن البليروما تتكون من ثلاثين أيوناً (كائناً إلهياً)، تنبثق من الثنائية الأصلية “الأب السحيق” و”الفكر”. ومن بين هذه الأيونات، تشكل “صوفيا” (الحكمة) نقطة محورية في دراما الخلق والخلاص في نظام الغنوصية الفالنتينية، حيث أن شوقها لمعرفة الأب السحيق يتسبب في أزمة تؤدي إلى خلق العالم المادي.
للإطلاع على تاريخ الهرمسية
يقدم نظام الغنوصية الفالنتينية تمييزاً جوهرياً بين الإله الأسمى الخفي والإله الخفيب الأصغر المسؤول عن خلق الكون المادي، الذي يرتبط بإله العهد القديم يهوه . هذا التمييز يمثل سمة أساسية من سمات الغنوصية الفالنتينية والفكر الغنوصي عامة، حيث ينظر إلى العالم المادي على أنه وجود معيب أو شرير، بينما يمثل العالم الإلهي مصدر الخير والكمال.
تقسم الغنوصية الفالنتينية البنية الكونية إلى ثلاثة مستويات وجودية متراتبة ومتميزة من حيث المكونات والخصائص. في قمة هذه البنية يوجد البليروما (العالم الإلهي)، وهو عالم النور والكمال المطلق، ومكوناته الرئيسية هي “الآب السحيق” غير المدرك والأيونات الثلاثين المنبثقة عنه، وتتميز بأنها عالم النور والمعرفة الحقيقية والطمأنينة التامة. يليه العالم الوسيط، الذي يحكمه “الديميورغوس” أو “يالدابعوث” بحسب التسمية الغنوصية، وهو خالق جاهل نشأ عن خطأ “صوفيا” (الحكمة)، وتكمن خصائصه في كونه ممثلاً للقوة الخالقة الجاهلة والمسؤولة عن تشكيل العالم المادي المادي دون فهم لأصل النور. وأخيراً يوجد العالم المادي الذي نعيش فيه، ومكوناته هي البشر والمادة الملموسة، وتتميز بأنه عالم ناقص ومعيب، يُعتبر سجناً للنفوس الإلهية التي علقت فيه، وهو بعيد كل البعد عن النور والكمال الموجودين في البليروما.
للإطلاع على ما هي الغنوصية السيثية (Sethianism)؟
الإنسان والمعرفة والخلاص في الغنوصية الفالنتينية
ترى الغنوصية الفالوصية أن الإنسان مكون من عناصر ثلاثة: الجسد والنفس والروح. تحتوي الغنوصية الفالنتينية على تصنيف ثلاثي للبشرية، حيث تنقسم إلى:
- الغنوصيين (الروحيين): ويمثلون الأشخاص الذين يمتلكون شرارة إلهية تسمح لهم ببلوغ المعرفة (الغنوصيس) والعودة إلى البليروما.
- المسيحيين العاديين (النفسانيين): الذين يمكنهم بلوغ شكل أدنى من الخلاص عبر الإيمان والأعمال.
- البشر الماديين: الذين لا خلاص لهم ويهلكون مع العالم المادي .
تعتبر الغنوصية الفالنتينية أن الخلاص لا يتحقق عبر الإيمان أو الأعمال الصالحة بالمعنى التقليدي، بل عبر المعرفة الباطنية (الغنوصيس) التي تكشف للإنسان أصله الإلهي ومصيره. هذه المعرفة في إطار الغنوصية الفالنتينية ليست مجرد معرفة عقلية، بل هي معرفة أسطورية تتحقق عبر الرؤية الحقيقية والسمع الحقيقي للأسرار الإلهية.
للإطلاع على تاريخ مفصل وكامل للغنوصية
المسيح في الغنوصية الفالنتينية ليس مخلصاً بالمعنى التقليدي، بل هو مرسل من البليروما ليعلم البشر المعرفة السرية التي تمكنهم من استعادة وعيهم بأصلهم الإلهي. في الغنوصية الفالنتينية، لم يتجسد المسيح حقاً في جسد مادي، بل اتخذ شكلاً بشرياً إذ يعتبر التجسد الحقيقي مستحيلاً في هذه المدرسة الفكرية لأن العالم المادي شرير بطبيعته.
النصوص والتراث الكتابي للغنوصية الفالنتينية
على الرغم من أن فالنتينوس نفسه كتب عدة كتابات، إلا أن القليل جداً من أعماله قد تم الحفاظ عليها بشكل مباشر. معظم معرفتنا عن الغنوصية الفالنتينية تأتينا من خلال كتابات آباء الكنيسة الذين عارضوها، مثل إيرينيئوس في كتابه “ضد الهراطقة”، وترتليان في كتابه ضد الماركونية، وهيبوليتوس الرومي .
ساهم اكتشاف مكتبة نجع حمادي في مصر عام 1945 بشكل كبير في فهمنا للفكر الغنوصي عامة ولـالغنوصية الفالنتينية خاصة. هذه المخطوطات، التي تضم ما بين كتابات مسيحية وغنوصية، قدمت نصوصاً أصيلة سمحت للباحثين بدراسة الغنوصية الفالنتينية من خلال مصادر مباشرة بدلاً من الاعتماد الكلي على كتابات خصومها .
من بين النصوص التي تعكس أفكار الغنوصية الفالنتينية نجد “إنجيل الحقيقة” الذي يعتقد كثير من الباحثين أن فالنتينوس نفسه هو كاتبه. يقدم هذا النص رؤية عميقة لفكرة الخلاص عبر المعرفة في إطار الغنوصية الفالنتينية، حيث يتم التركيز على فكرة الجهل أصل الشر والمعرفة كوسيلة للخلاص .
للإطلاع على المانوية (Manichaeism): دين النور والظلمة
تأثير الغنوصية الفالنتينية وعلاقتها بالمسيحية التقليدية
مثلت الغنوصية الفالنتينية تحدياً جدياً للمسيحية التقليدية في القرون الأولى، حيث قدمت نظاماً لاهوتياً بديلاً يجمع بين العناصر المسيحية والأفلاطونية والزرادشتية. عبرهذا التوليف الفكري، استطاعت الغنوصية الفالنتينية أن تجتذب المثقفين الذين سعوا إلى فهم أكثر تعقيداً للوجود والدين .
عارض آباء الكنيسة الغنوصية الفالنتينية بشدة، معتبرين إياها تحريفاً للتعاليم المسيحية الأصلية. من أبرز نقاط الخلاف بين الغنوصية الفالنتينية والمسيحية التقليدية: رفض فكرة الخلق الصالح للعالم المادي، وإنكار التجسد الحقيقي للمسيح، والتركيز على المعرفة السرية بدلاً من الإيمان العلني كطريق للخلاص .
على الرغم من هذا الصراع، يمكن القول إن الغنوصية الفالنتينية ساهمت في تطوير الفكر المسيحي من خلال دفع المدافعين عن التقليدية إلى صياغة عقائدهم بشكل أكثر دقة والتمييز بين ما هو مقبول وما هو مرفوض في الإيمان المسيحي.
إرث الغنوصية الفالنتينية وأهميتها التاريخية
تمثل الغنوصية الفالنتينية واحدة من أكثر التجليات تعقيداً للفكر الغنوصي في العصور القديمة. قدمت الغنوصية الفالنتينية بديلاً دينياً وفلسفياً متميزاً في عالم البحر المتوسط في القرن الثاني الميلادي.
تبقى الغنوصية الفالنتينية نموذجاً مثيراً للاهتمام للحوار بين الأديان والتفاعل بين الثقافات في العالم القديم، حيث جمعت بين العناصر المسيحية واليونانية والشرقية في توليفة فريدة. عبر دراسة الغنوصية الفالنتينية، يمكننا فهم أفضل للتنوع الديني والفكري الذي تتسم به القرون الأولى للمسيحية، والبدائل التفسيرية التي قدمها هذا التنوع للبشرية في سعيها الدائم لفهم الوجود والمعنى.
للإطلاع على مخطوطات نجع حمادي: إعادة تشكيل فهم المسيحية المبكرة والغنوصية








