يمثل الأمير أحمد شوقي (1868-1932م) قمة الهرم الشعري في العصر الحديث، ولم يقتصر مشروعه الأدبي على الشعر السياسي والاجتماعي والغزلي والمسرحي، بل امتد ليشمل تأسيس جنس أدبي جديد في المكتبة العربية الحديثة هو شعر الطفل. إن إدراج شوقي لقصائد مخصصة للناشئة لم يكن مجرد إضافة هامشية، بل كان فعلاً تأسيسياً ذا أبعاد ثقافية عميقة، رفع من شأن أدب الطفل ومنحه الشرعية الأكاديمية المطلوبة.
I.A. موقع قصائد الأطفال في مشروع شوقي الشعري: الريادة والتأسيس
يُعدّ شوقي رائداً في إدخال الحكاية الشعرية الموجهة للطفل إلى صميم الديوان الشعري المرجعي. تشير الدراسات إلى أن شوقي ضَمَّن الطبعة الأولى من الشوقيات التي صدرت عام 1898م أكثر من خمسين حكاية شعرية مخصصة للأطفال.1 إن هذا التضمين المبكر، في منعطف التأسيس لـ “الطفولة المعرّفة” أدبيًا، يوضح وعياً نقدياً بأهمية استهداف النشء كمتلقٍ شرعي للأدب. إن تخصيص شاعر بحجم شوقي لجزء كبير من باكورة أعماله المطبوعة لهذه القصائد، يرسخ مكانته كالأب المؤسس الفعلي لهذا النوع الأدبي في الشعر العربي الحديث، مانحاً إياه القيمة الأدبية التي لم يكن ليحصل عليها لو كُتبت هذه القصائد بمعزل عن مشروعه الشعري الضخم.
وقد جاءت هذه المرحلة متزامنة مع فترة التحول الثقافي والوطني في مصر، حيث كان الهدف يتجاوز الترفيه إلى غرس الوعي والقيم المؤسسة لمجتمع حديث. إن القصائد، التي وُصفت بأنها مجموعة من “الشعر السهل” 2، كان هدفها توفير “أدب وثقافة” 2 للناشئة، مما يشير إلى أن وظيفتها كانت تعليمية تثقيفية، لا وعظية مباشرة فحسب.
I.B. تحديد النوع الأدبي: الخرافة الشعرية (Fable) والهدف التربوي
تتسم قصائد شوقي للأطفال بسمة نوعية محددة: هي الخرافة الشعرية (Fable). تدور أحداث هذه القصائد بشكل أساسي حول الحيوان، وتجري فيها حوارات ومناظرات بين أفراده.1 يسمح استخدام الحيوانات (التجسيد الأنثروبومورفي) لشوقي بتقديم مفاهيم أخلاقية وفلسفية معقدة في إطار سردي مبسط وجذاب للطفل، مع الحفاظ على مسافة نقدية بين القارئ والموضوع.
إن تحديد هذا النوع الأدبي مبكراً، يشير إلى أن البساطة في شعر شوقي للأطفال هي بساطة في البنية السردية والإيقاع، بينما المحتوى يحافظ على ثراء المفردات وغنى المرجعية الثقافية. فعلى الرغم من أن النص يستهدف الأطفال، إلا أنه قد يحتاج أحياناً إلى “هوامش” تشرح مصطلحات تاريخية أو جغرافية 2 (مثل الإشارة إلى بلاد اليمن أو الألقاب القديمة)، مما يؤكد أن شوقي لم يتنازل كلياً عن عمقه الثقافي في سبيل التبسيط المطلق، بل عمل على بناء قاموس قيمي وثقافي متدرج للطفل العربي.
الجدول 1: سياق وتأثير شعر شوقي للأطفال (منهجية شوقي في التأسيس)
| العنصر | الوصف المنهجي | الدلالة الأدبية |
| تاريخ النشر الأولي | الطبعة الأولى من الشوقيات (1898م).1 | إضفاء الشرعية على أدب الطفل كجزء لا يتجزأ من الإرث الشعري الأكبر. |
| النوع الأدبي الغالب | الحكاية الشعرية التي تدور حول حوار الحيوانات.1 | اعتماد مبدأ التجسيد الأنثروبومورفي (الخرافة) كآلية لتمرير النقد الأخلاقي والاجتماعي. |
| الهدف المعلن | توفير “أدب وثقافة” للناشئة.2 | تجاوز الوظيفة الوعظية المباشرة إلى بناء الوعي الثقافي والجمالي. |
| البنية اللغوية | البساطة السردية مقترنة بالثراء المرجعي (مفردات تحتاج إلى هوامش).2 | تحدي مفهوم البساطة السطحية؛ العمل على بناء قاموس لغوي متين للطفل. |
II. البنية التيماتيكية: من النقد الاجتماعي إلى الفلسفة الأخلاقية
تتسم الموضوعات التي تناولها شوقي في قصائد الأطفال بعمقها الفلسفي الذي يتجاوز حدود القصة البسيطة. يمكن تصنيف هذه الموضوعات تحت محاور أساسية تتعلق بالعدالة، المسؤولية الفردية والجماعية، نقد الغرور (النرجسية)، والتحرر من العبودية النفسية.
II.A. تصنيف الموضوعات الأخلاقية الأساسية
لم يكن شعر الأطفال عند شوقي مجرد أغانٍ، بل كان مسرحاً لتمثيل صراعات القيم الإنسانية. في قصيدة “الغصن والخنفساء”، يُناقش الغرور والاعتداد بالذات (كما سيتم تحليله لاحقاً)، بينما تتطرق قصائد أخرى إلى قضايا وطنية عميقة. على سبيل المثال، تتعرض قصيدة الحمار والبعير 3 لثيمة الحرية والعبودية. يصف النص هروب الحيوانين بحثاً عن الحرية، لكن الحمار، بدافع التعود على القيد، يعلن عن رغبته في العودة لبلده حيث ترك “مقودي”، مؤكداً أن طبيعته “خلقت كي تقيد”.3
يُفهم هذا السرد على أنه نقد اجتماعي وسياسي عميق، موجه للأطفال لغرس مفهوم رفض العبودية حتى في شكلها النفسي المتأصل (الخوف من الحرية ومسؤولياتها). إنه يعكس حالة الانقسام الوطني في تلك الفترة بين من يسعى للحرية الكاملة ومن يخشى تبعات التغيير ويحن إلى السيطرة المألوفة أو الاستعمار المريح. يُعلِّم شوقي هنا أن العبودية ليست قيداً جسدياً فحسب، بل يمكن أن تكون خياراً نفسياً مُدانًا.
II.B. الأثر الفلسفي: الخرافة كمرآة للفساد البشري (Pessimistic Anthropomorphism)
تستخدم الخرافة الشعرية كأداة للنقد الفلسفي العميق للطبيعة البشرية. يظهر هذا بوضوح في تحليله لقصيدة “هرتي” التي تصف اجتماع الحيوانات على سفينة نوح.1 يروي شوقي كيف اجتمعت الكائنات المتنافرة على السفينة في سلام مؤقت (مثلما “مشى الليثُ مع الحمارِ وأخذ القطُّ بأيدي الفارِ”) تحت وطأة “المحذور أو الخطر”.1 لكن بمجرد النجاة والوصول إلى سفح الجودي، عادت جميع الكائنات إلى طباعها الأصلية القاسية (“عادوا إلى ما تقتضيه الشيمة ورجعوا للحالة القديمة”).1
النتيجة الأخلاقية من هذه القصة تأتي في عبارة صريحة يوجهها الشاعر للقارئ: “فقسْ على ذلك أحوال البشر”.1 هذا التأكيد يحوّل الحيوان إلى قناع للنقد الفلسفي العميق. إنه نقد للذات البشرية التي لا يمكن إصلاحها بشكل دائم، حيث إن دوافعها الأساسية (التي تقتضيها الشيمة) تنتصر على ضرورات التعايش، حتى بعد اختبار شامل للخطر المشترك. إن هذه النظرة التشاؤمية للطبيعة البشرية، المقدمة في إطار قصصي بسيط، تدل على عمق الفكر الفلسفي الذي يزرعه شوقي في عقل الطفل.
II.C. تأسيس مفهوم “الأخلاق الداخلية” والسببية
في قصيدة “الهدهد وسليمان” (التي سيتم تحليلها تفصيلياً)، يربط شوقي بين المعاناة الجسدية وبين السبب الأخلاقي الكامن. الهدهد يشتكي من “علة” أصابته جراء حبة بر.4 لكن النبي سليمان (الذي يمثل رمزاً للعدالة المطلقة والكشف الإلهي) يرفض التشخيص الظاهري. الحكم السليماني يحدد أن الألم ليس عشوائياً أو ناتجاً عن مرض طبيعي، بل هو نتيجة مباشرة للخطيئة: “ما أرى الحبة إلا سرقت من بيت نملة”.4
في هذا السياق، تصبح الشكوى الجسدية مجرد “تعلة” (ذريعة أو غطاء) لـ “نار الإثم في الصدر”.4 هذا الربط الصارم بين الصحة الروحية والجسدية، يعزز لدى الطفل مفهوم العدالة المطلقة والمساءلة الذاتية. إن شوقي هنا يؤسس لمفهوم “الأخلاق الداخلية”، حيث يرى أن الخطيئة تسبب ألماً داخلياً لا يمكن إخفاؤه، مؤكداً أن “إن للظالم صدراً يشتكي من غير عله”.4
للإطلاع على قصيدة نهج البردة لأحمد شوقي
III. الدراسة التحليلية المتعمقة للنماذج النصية (الجزء الأول): الغصن والخنفساء
تعتبر قصيدة “كان بروضٍ غصنٌ ناعمٌ” مثالاً نموذجياً للمناظرة الشعرية التي يستخدمها شوقي لنقد الغرور المرتكز على المظهر، وتمجيد القيمة الجوهرية.
III.A. تحليل الحوار وتجسيد النرجسية
تبدأ القصيدة بتصوير الغصن الناعم، الذي يمثل المظهر الزائف والجمال السطحي، وهو يعلن عن كبريائه المطلق:
يقولُ: جلَّ الواحدُ المنفردْدْ / فقامتِي في ظرفها قامتِي / ومثلُ حسني في الورى ما عهدْ
هنا، يركز الغصن على الشكليات المجردة (“قامتي”، “حسني”)، ويعتبر نفسه كياناً منفرداً في التفوق، مُعبِّراً عن نرجسية فجة.
يأتي الرد الحكيم من الخنفساء، التي يتم تقديمها في سياق يرمز للوظيفة والأصالة: “فأقبلت خنفسةٌ تنثني / ونجلها يمشي بجنبِ الكبدْ”. دخول هذا الكائن المتواضع، الذي يحمل دلالة الأمومة والمسؤولية، يخلق تناقضاً درامياً قوياً.
الرسالة الأساسية تنبع من حكمة الأمومة التي ترد على الغرور الفردي بالكبرياء الجماعي المتمثل في الاستمرارية والبقاء:
تقول: يا زينَ رياضِ البها / إنّ الذي تطلبهُ قد وجدْ
فانظر لقدِّ ابني، ولا تفتخر / ما دام في العالم أمٌّ تلدْ
تنقض الخنفساء فكرة التفاخر الجمالي بالوجود الوظيفي. فالقيمة الحقيقية للوجود ليست في النعومة أو الحسن المؤقت، بل في الوظيفة الحيوية المتمثلة في الأمومة والقدرة على استدامة الحياة. إن وجود الأم التي تلد وتهتم بنسلها هو الذي يمنح الوجود قيمة، مقارنة بجمال الغصن الزائل أو المقطوع.
III.B. البنية العروضية واللغة (التركيز على القصر والإيجاز)
تخدم البنية العروضية في هذه القصيدة طبيعة الحكاية والمناظرة. القصيدة مبنية على وزن موسيقي خفيف ذي إيقاع سريع ومناسب للسرد القصصي. تلتزم القصيدة بقافية موحدة في حرف الدال (المنفرد، عهد، وجد، تلد)، مما يمنحها سلاسة صوتية ويسهل حفظها واستيعابها. هذا الإيقاع المتقن هو الأداة الرئيسية للتعليم والذاكرة لدى الطفل، حيث يُنشئ شوقي نصاً سمعياً (Auditory Text) مُصمماً للاختراق المعرفي عبر الأذن أولاً.
IV. الدراسة التحليلية المتعمقة للنماذج النصية (الجزء الثاني): الغنم والذئب
تتناول قصيدة “كانت على زعمهمْ فيما مضى غنمٌ” مسؤولية الحماية، والتقصير في الواجب، وتمجيد اليقظة الأمومية، وهي تبدأ بمقدمة بيداغوجية مباشرة.
IV.A. السرد والتأسيس الأخلاقي (حكمة المطلع)
يستهل شوقي القصيدة بتوجيه خطاب مباشر للطفل، يضع فيه الأساس المعرفي للقصة:
اسمعْ نفائس ما يأتيكَ منْ حكمي / وافهمهُ فهمَ لبيبٍ ناقدٍ واعي
تؤكد هذه الدعوة على أن النص ليس قراءة سلبية، بل مادة تستلزم التفكير النقدي الواعي.
يتم بعد ذلك تقديم النقد الاجتماعي الأساسي من خلال تصوير غفلة الراعي. الراعي، الذي يمثل رمز السلطة الحامية والموكلة بالمسؤولية، “قد نام عنها”، بينما النظام الاجتماعي (القطيع) ينام بتبعية.4 هذه الصورة هي نقد صريح للإهمال والتقصير في أداء الواجب من قبل القيادة.
الاستثناء الوحيد في هذا المشهد هو الأم الواعية: “لم يدعها في الدَّياجي للكرى داعي”. يُسلط النص الضوء على الأمومة اليقظة التي تحمل عبء المسؤولية بمفردها “ما بين أوجالٍ وأوجاعِ”.
IV.B. ذروة العمل: تمجيد دور الأم كمنقذ للنظام
تتمثل الذروة في لحظة ظهور الخطر: “بدا لها الذِّئبُ يسعى في الظلامِ على / بعدٍ، فصاحت: ألا قوموا إلى الساعي”. الأم لا تكتفي بالخوف أو الانكماش، بل تتخذ الإجراء الفعال، فهي توقظ الراعي. نجاح العملية يعود بالكامل لتدخل الأم، مما أدى إلى ذعر الراعي وانزعاجه (“فقامَ راعي الحمى المرعيِّ منذعراً”). إن الذئب (رمز الخطر) يهرب على الفور “فانسابَ فيه انسيابَ الظَّبي في القاع”.
تأتي الخاتمة لتلخص الفلسفة الأخلاقية:
فقالت الأمُّ: يا للفخرِ كان أبي / حراً ، وكان وفيَّاً طائلَ الباعِ
إذا الرُّعاة على أغنامها سهرتْ / سهرتُ من حبِّ أطفالي على الرَّاعي
في هذه الأبيات، لا تتباهى الأم بنسبها فحسب، بل تضع وظيفتها كأم وحامية لنسلها فوق دور الراعي. إنها تعلن أن دافعها (حب الأبناء) هو الدافع الأعلى الذي يحرك حتى حماة النظام. هذا الموقف يقلب التسلسل الهرمي للمسؤولية: فالراعي يجب أن يكون يقظاً بطبيعة الحال، لكن الأم تضطر لحراسة من يفترض أن يحرس، بسبب حبها العميق.
للإطلاع على قصيدة النيل لأحمد شوقي
IV.C. تحليل الجوانب الدرامية واللغوية
يستخدم شوقي صوراً بصرية مكثفة وحركة درامية سريعة لخلق الإثارة الملائمة لذهن الطفل. فصورة الذئب الذي “ينساب” تشير إلى المكر والتربص، بينما صرخة الأم تمثل صوت اليقظة المدوي. هذه القصيدة مثال ممتاز على كيفية استخدام اللغة القوية (كالقسم بالحروف والتشبيهات) لتعزيز الرسالة التربوية حول أهمية اليقظة وتحمل المسؤولية حتى في حالة تقصير السلطة.
V. الدراسة التحليلية المتعمقة للنماذج النصية (الجزء الثالث): الهدهد وسليمان
تمثل قصيدة “وقف الهدهدُ في بابِ سليمانَ بذلِّهْ” نموذجاً للعدالة الكونية وكشف الإثم الداخلي، وهي تتكئ على التناص الديني والتراثي.
V.A. التناص الديني والمحكمة الأخلاقية
يعمل توظيف شخصية النبي سليمان، الذي أوتي القدرة على فهم منطق الطير، على منح القصة سلطة أخلاقية غير قابلة للنقاش، ومرجعية دينية عليا. يقدم الهدهد شكوى ذات طابع مادي:
متُّ من حبةِ برٍّ / أحدثتْ في الصدر علَّه
لا مياهُ النيلِ ترويها، ولا أمواهُ دجله
تبدو الشكوى في الظاهر صحية، تتعلق بالمرض والملل من الحياة.4 لكن حكمة سليمان ترفض هذا التشخيص الظاهري وتنتقل مباشرة إلى الجوهر الأخلاقي.
V.B. كشف الحقيقة: التشخيص الأخلاقي للمرض
في لحظة كشف الحقيقة، يفصح سليمان عن القانون الكوني الذي يربط الشكوى بالخطيئة:
قد جنى الهدهدُ ذنباً / وأتى في اللؤوم فعله
تلك نارُ الإثمِ في الصدْرِ، وذي الشكوى تعلَّه
هذه الأبيات هي المفتاح النقدي للقصيدة. يحدد سليمان الإثم (السرقة من بيت نملة) كسبب جوهري، والعلة/الشكوى كـ “تعلة” (ذريعة) 4، مما يجعله تشخيصاً أخلاقياً للمرض. إن العلة ليست إلا مظهراً خارجياً لـ “نار الإثم” المشتعلة في الداخل.4
يختتم سليمان حكمه بعبارة جامعة للقانون الأخلاقي: “إن للظالم صدراً يشتكي من غير عله”.4 هذا يعزز مفهوم الجزاء من جنس العمل، وأن الخطيئة لا تبقى مخفية أمام العدالة الحكيمة، مهما تستر الظالم بـ “علل” ظاهرية. إن شوقي هنا يزرع في وعي الطفل مفهوم المساءلة الشفافة والعدل المطلق الذي يرى ما وراء الأقنعة.
V.C. الأدوار المقلوبة وبناء قاموس القيم
تُظهر القصائد الثلاثة بوضوح ميل شوقي إلى قلب الأدوار النمطية أو نقد السلطة المتغطرسة/المهملة (Critical Role Reversal). في قصة “الغنم”، الطرف الأضعف (الأم) يوقظ الأقوى (الراعي). في قصة “الغصن”، تهزم الخنفساء المتواضعة الغرور الجمالي. وفي قصة “الهدهد”، يُفضح المتظاهر بالبراءة (الهدهد) على يد الحاكم الحكيم (سليمان).
هذا الأسلوب يعلم الطفل أن الحقيقة والعدالة لا ترتبطان بالمنصب أو المظهر أو القوة، بل باليقظة والجوهر الأخلاقي. وتتكامل هذه القراءات لتشكل معاً “قاموس القيم” للطفل العربي، يغطي محاور متكاملة: التواضع (الغصن)، الواجب والتفاني (الأم)، والصدق مع الذات والعدالة المطلقة (الهدهد). هذا المدى يوفر منهجاً أخلاقياً وثقافياً متكاملاً، مما يجعل القصائد حجر الزاوية في بناء الوعي الأخلاقي للطفل.
VI. الأبعاد الفنية والصوتية لشعر شوقي للأطفال
بصفته رائدًا في فن الشعر، كان شوقي يدرك تمامًا أن متطلبات الكتابة للطفل تختلف عن الكتابة للكبار، خاصة فيما يتعلق بالإيقاع وسهولة النطق والحفظ. إن البراعة الفنية في هذه القصائد لا تكمن فقط في التيمات، بل في التعديلات التقنية التي أجراها شوقي على العروض واللغة لخدمة المتلقي الصغير.
VI.A. الوزن والعروض: الإيقاع والضرورة الشعرية
لجأ شوقي في قصائده للأطفال إلى الأوزان الخفيفة، وغالباً ما كانت مجزوءة أو سريعة، مما يناسب طبيعة الحكاية الشعرية القابلة للإنشاد. لكن الأهم من ذلك هو مرونته اللغوية المذهلة لضمان التدفق الموسيقي. لقد استخدم شوقي الضرورات الشعرية، وهي تعديلات في البنية اللغوية تهدف إلى خدمة الوزن والإيقاع، مما يؤكد أن الإيقاع كان الهدف الأسمى والوظيفة التعليمية الرئيسية.
على سبيل المثال، قام شوقي بتخفيف الحرف المشدد لضرورة الوزن والقافية، كما في قوله (هيْن) بدلاً من (هيِّن).5 كما لجأ إلى حذف الهمزة من الفعل تخفيفاً، مثل قوله (تلتجين) بدلاً من (تلتجئين).5 وحتى الحذف من أصل الكلمة، مثل حذف الألف من (عاتبتك) لتصبح (عتبتك).5 هذه التنازلات اللغوية تقنية تهدف لضمان التدفق الموسيقي الذي يسهل على الطفل النطق والإنشاد والحفظ، مما يجعل القصيدة أداة تعليمية فعالة.
الجدول 2: التحليل العروضي والوظيفة البلاغية لنماذج مختارة
| القصيدة | الوزن العروضي (المحتمل) | ملحوظات فنية | الوظيفة التعليمية |
| الغصن والخنفساء | بحر بسيط أو متقارب مجزوء (التركيز على التكرار) | قافية موحدة بالدال، سريعة الإيقاع. | سهولة حفظ المناظرة والرسالة المباشرة حول التواضع. |
| الغنم والذئب | بحر الوافر (غالباً) أو الكامل | استخدام القوافي المطولة (كراعي، أوجاع، باع)، لإضفاء طابع درامي. | بناء الإثارة وخلق صور بصرية قوية (الذئب ينساب). |
| الهدهد وسليمان | بحر الرجز أو الخبب (إيقاع سهل) | قافية قصيرة موحدة (على تفعيلة ذات شطرين) لضمان التدفق الحكائي. | تعزيز الأثر السمعي الذي يتناسب مع سهولة الحكاية الأخلاقية. |
VI.B. دور الأبعاد الصوتية والدلالة (Phonetic Analysis)
تؤكد الدراسات الأكاديمية المتخصصة على أهمية الأبعاد الصوتية والدلالية في شعر شوقي للأطفال، مشددة على ضرورة إجراء دراسات نوعية متعمقة في هذا الجانب.6 إن اختيار شوقي للأصوات والحروف لا يخدم الإيقاع فحسب، بل يعزز الرسالة التربوية والوظيفة المساعدة على الحفظ (Mnemonic Function).
تُعدّ هذه القصائد مواد سمعية منشودة ومحفوظة، وليست مجرد نصوص صامتة. إن استخدام شوقي لأصوات معينة في سياق درامي، مثل الألفاظ التي تحاكي الحركة أو الخطر، يعمل على ترسيخ المعنى في ذهن الطفل عبر الأذن. إن لجوء شوقي لـ “الضرورات” الشعرية دليل قاطع على أن الإيقاع المتقن هو الأداة الرئيسية للتعليم والذاكرة لدى الطفل.
VI.C. أسلوب الحكاية السهلة والبراعة القصصية
تتقاطع الأساليب السهلة والمباشرة المستخدمة في قصص الأطفال مع براعة شوقي في فنون الحكاية القصيرة الموجهة للكبار، خاصة في طرائفه الساخرة والمناسباتية. على سبيل المثال، نجد أن الأسلوب القصصي الحيوي المستخدم في الـ Fable يتشابه مع أسلوبه في السخرية الاجتماعية، مثلما وصف سيارة صديقه محجوب ثابت بأسلوب ساخر ومباشر.7 هذا يؤكد أن شوقي يمتلك “قاموساً” أسلوبياً مرناً، يستخدمه ببراعة للانتقال بين التعليم الأخلاقي (الحمار والبعير 3) والسخرية الاجتماعية (السيارة المتهالكة 7)، مما يجعله سيداً لفنون الحكاية العرية القصيرة بجميع أبعادها.
VII. الخلاصة: تقييم الأثر الدائم لشعر شوقي للأطفال
يمثل ديوان أحمد شوقي للأطفال، الذي تأسس مبكراً ضمن الشوقيات في عام 1898م 1، حجر الزاوية في بناء أدب الطفل الشعري العربي الحديث. إن شوقي لم يقدم مجرد قصص مسلية، بل أنشأ منهجاً بيداغوجياً متكاملاً يجمع بين العمق الفلسفي والاجتماعي والبساطة الإيقاعية اللازمة للطفل.
يتمثل الأثر الدائم لهذا الديوان في قدرته على:
- ترسيخ القيم الأخلاقية الأساسية: من خلال قصص مثل “الغصن والخنفساء” التي تهاجم النرجسية وتناصر التواضع والوظيفة الحيوية (الأمومة)، وقصة “الغنم والذئب” التي تمجد اليقظة وتحمل المسؤولية حتى في ظل تقصير السلطة.
- تأسيس مفهوم العدالة الكونية: كما في قصة “الهدهد وسليمان”، حيث يربط شوقي بين المعاناة الجسدية والإثم الداخلي، مؤسساً لمبدأ المساءلة الذاتية ورفض الشكوى الزائفة أو “التعلة”.4
- التعبير عن النقد الوطني: عبر استخدام الحيوانات كأقنعة لنقد ظواهر اجتماعية وسياسية عميقة، مثل نقد الخضوع للقيود والتعود على العبودية (قصيدة الحمار والبعير 3)، والنظرة التشاؤمية للطبيعة البشرية التي تعود إلى فسادها الأصيل فور زوال الخطر (قصيدة هرتي 1).
- إتقان الجانب الفني: من خلال تطويع العروض العربي ولجوئه الضروري إلى المرونة اللغوية (الضرورات الشعرية 5) لضمان أعلى مستوى من الإيقاعية والتدفق الصوتي المناسب لمتلقٍ صغير، مما يجعل القصائد سهلة الحفظ والإنشاد.
في الختام، إن ديوان شوقي للأطفال يمثل منهجاً متكاملاً في التربية الأدبية والثقافية والوطنية، موفراً جسراً متيناً يربط الطفل بأسس اللغة العربية والتفكير الأخلاقي الناقد، ويستدعي الحاجة لمزيد من الدراسات المتخصصة التي تستكمل التحليل الصوتي المنهجي لهذه القصائد 6، وإجراء مقارنات مفصلة مع معاصريه لاستكشاف الفروق الأسلوبية في التعامل مع أدب الطفل.
Works cited
- شعراء عصر شوقي يخذلونه, , https://alarabi.nccal.gov.kw/Home/Article/27437
- ديوان الأطفال | الشوقيات – مؤسسة هنداوي, , https://www.hindawi.org/books/70706142/144/
- أشعار أمير الشعراء أحمد شوقي للاطفال الجزء الأول 1 – YouTube, , https://www.youtube.com/watch?v=S9j0Y6xEB6A
- وقف الهدهد في باب سليمان بذلة | أمير الشعراء أحمد شوقي #شعر #لغة_عربية #أمير_الشعراء, , https://www.youtube.com/watch?v=n15dUnfwTAQ
- شوقي والضرورات الشعرية – مجلة الرافد, , https://arrafid.ae/Article-Preview?I=TNoDmcbAfB0%3D&m=5U3QQE93T%2F0%3D
- ﺨﺭﻴﻭﺵ ﺍﻝﺭﺅﻭﻑ ﻋﺒﺩ. ﺩ – جامعة القدس المفتوحة, , https://dspace.qou.edu/bitstream/194/2624/1/ragead_sabri.pdf
- أجمل مواقف التراشق بأبيات الشعر بين أحمد شوقى وحافظ إبراهيم – YouTube, , https://www.youtube.com/watch?v=rlm-iiW_mq4&pp=0gcJCfwAo7VqN5tD








