علم الآثار الزائف ومصر القديمة

يمثل “علم الآثار الزائف” (Pseudoarchaeology) ظاهرة تفسيرية تتحدى بشكل مباشر الأسس المنهجية لعلم الآثار الأكاديمي. تُعرَّف هذه الظاهرة بأنها محاولات لدراسة أو تفسير أو تعليم مادة علم الآثار مع تجاهل أو رفض أو إساءة فهم أساليب جمع البيانات والتحليل المقبولة علمياً في هذا التخصص.1 في هذا السياق، تظل مصر القديمة، بحضارتها التي لا مثيل لها وغموض معالمها، البؤرة الأكثر استهدافاً والأكثر إنتاجاً للنظريات الزائفة، خصوصاً ما يتعلق بأهرامات الجيزة وأبو الهول.1

لتحقيق فهم معمق لهذه الظاهرة، يتطلب التحليل منظوراً نقدياً متعدد اللغات. إن دراسة الجدل الدائر حول علم الآثار الزائف بالاعتماد على المصادر الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية أمر جوهري، لأنه يكشف عن الأصول التاريخية وتطور الانتشار العالمي لهذه النظريات. فعلى سبيل المثال، يعد إريك فون دانكن (Erich von Däniken) وغراهام هانكوك (Graham Hancock) من أبرز المروجين عالمياً للآراء الزائفة، وهما يمثلان تقاطعات ثقافية ولغوية مختلفة تسهم في تداول هذه الأفكار على نطاق واسع.1 يهدف هذا التقرير إلى تفكيك هذه الأطر التفسيرية الزائفة، وتحليل تطبيقاتها على علم المصريات، وتقديم تفنيد علمي صارم يستند إلى الأدلة الأثرية والجيولوجية.

للإطلاع على دراسة نقدية لكتاب لغز أوريون لبوفال وجيلبرت 

الجزء الأول: الإطار المفاهيمي والمنهجي لعلم الآثار الزائف

1.1. التعريف الأكاديمي لعلم الآثار الزائف

من الناحية المنهجية، لا يوجد نظرية أو منهج موحد لعلم الآثار الزائف، بل هو مجموعة من التفسيرات المختلفة التي تتعارض فيما بينها ومع الإجماع العلمي.1 يكمن جوهر المشكلة في استخدام القطع الأثرية أو المواقع أو المواد لبناء نظريات غير جوهرية علمياً تهدف إلى تعزيز مزاعم المروجين.1

تتضمن الأدوات المنهجية المستخدمة في هذا المجال تضخيم الأدلة المتوفرة، والوصول إلى استنتاجات درامية أو “رومانسية”، واستخدام المغالطات المنطقية، وفي بعض الحالات القصوى، فبركة الأدلة لدعم المزاعم غير العلمية.1 هذا التباين المنهجي هو ما يصنف هذه المحاولات ضمن العلوم الزائفة (Pseudoscience).

التسميات اللغوية المقارنة للظاهرة

يعكس اختيار المصطلحات في اللغات الثلاث جوانب مختلفة من التفسيرات الثقافية للظاهرة:

  1. اللغة الإنجليزية والألمانية: تركز هذه اللغات على الطبيعة اللاعلمية للظاهرة، حيث يستخدم مصطلح Pseudoarchaeology أو Pseudoarchäologie.1 هذا التركيز يشير مباشرة إلى الفشل في الالتزام بالمعايير العلمية (مثل المراجعة من الأقران أو الأدلة التجريبية).1
  2. اللغة الفرنسية: يستخدم مصطلح “L’archéologie romantique” (علم الآثار الرومانسي) كمرادف لعلم الآثار الزائف في بعض السياقات.5 هذا التعبير يوفر نظرة أعمق لجذور الجاذبية الشعبية لهذه النظريات. إنها تشير إلى أن جزءاً من قوة علم الآثار الزائف يكمن في استغلاله للحنين إلى فترة الاستكشاف التاريخي غير المقيد بمنهجيات صارمة. ويستغل المروجون هذا الجانب “الرومانسي” لتقديم أنفسهم كـ “مستكشفين للحقيقة” المحارَبين من قبل “المؤسسة” الأكاديمية.6 إن توحيد الرومانسية التاريخية مع الأجندة التآمرية الحديثة يفسر لماذا يجد الجمهور أن التفنيد الأكاديمي، المبني على الحقائق الجافة، أقل جاذبية من سرديات “الأسرار المفقودة”.7

1.2. الخصائص الخطابية وتأثير الإعلام

يزدهر علم الآثار الزائف من خلال استراتيجيات خطابية محددة. فهو غالباً ما يناشد المعتقدات الشعبية ونظريات المؤامرة، مقدماً نفسه كتفسير بديل ومقموع للاكتشافات الأثرية المقبولة.6

في سياق الخطاب المعادي للمؤسسة، يتم اتهام علماء الآثار والأكاديميين بالتآمر لإخفاء “الحقيقة” حول تاريخ البشرية، خاصة فيما يتعلق بإنجازات الحضارات غير الأوروبية.8 هذا الخطاب يتوافق مع النزعات السائدة المعادية للسلطة والمعرفة التقليدية التي تجد أرضاً خصبة للانتشار عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.9

تكمن خطورة الظاهرة في كونها ليست ظاهرة هامشية. تشير التحليلات إلى أن الخطاب الزائف يشكل اتجاهاً سائداً في المشهد الإعلامي، لا سيما في الوثائقيات التلفزيونية التاريخية.10 تحقق هذه الوثائقيات تصنيفات عالية وتتمتع بمبيعات تفوق مبيعات أشهر الباحثين الأكاديميين.10 هذا الانتشار الإعلامي الواسع يساهم في تحويل التمثيلات المجتمعية للتاريخ، ويزيد من الإيمان بالخوارق، ويشجع على العقليات التآمرية بين الجمهور.10

 

الجزء الثاني: الأشكال الرئيسية لـ “علم الآثار الزائف المصري” (المنظور متعدد اللغات)

تتركز التفسيرات الزائفة حول مصر القديمة ضمن ثلاثة أنماط رئيسية: التدخل الخارجي، الحضارات المفقودة، والتعديلات الزمنية.

2.1. فرضية الكائنات الفضائية القديمة والتدخل التكنولوجي (Ancient Astronauts)

 

تشير فرضية “رواد الفضاء القدامى” (Ancient Astronauts) إلى أن كائنات ذكية من خارج كوكب الأرض زارت الأرض وتواصلت مع البشر في العصور القديمة، مما أثر على التطور التكنولوجي والثقافي والديني للجنس البشري.11

يُعد إريك فون دانكن (Erich von Däniken)، وهو مؤلف سويسري (ألماني اللغة)، من الشخصيات المركزية التي ساهمت في تعميم هذه الفرضية، خاصة مع كتابه الأكثر مبيعاً عربات الآلهة؟ (Chariots of the Gods?) عام 1968.1 وقد استندت هذه الأفكار جزئياً إلى أعمال سابقة لمؤلفين فرنسيين، مثل لويس باويلز وجاك بيرجير في كتابهما صباح السحرة (1963).1

في علم المصريات، تُطبق هذه الفرضية للادعاء بأن الأهرامات المصرية “ظهرت فجأة” في التاريخ، مما يستلزم تدخلاً فضائياً لتفسير البناء.1 تفترض هذه النظريات أن المصريين القدماء كانوا يفتقرون إلى المعرفة أو القدرة على إنجاز مثل هذه الهياكل العملاقة بمفردهم.

يقدم التفنيد الأكاديمي دليلاً قاطعاً ضد فكرة “الظهور المفاجئ”. يشرح علماء المصريات تطور تصميم الأهرامات عبر مراحل منطقية ومتدرجة، بدءاً من مقابر المصطبة، مروراً بالهرم المدرج للملك زوسر، ثم الأهرامات التجريبية للملك سنفرو (مثل الهرم المائل)، وانتهاءً بالهرم الأكبر للملك خوفو.1 هذا السجل الأثري يوضح المسار التطوري للهندسة المعمارية المصرية، ويدحض الحاجة إلى أي تدخل خارجي.

للإطلاع على علم التنجيم الكوني:الأصول، المنهجيات، والنقد الأكاديمي

2.2. فرضية الحضارات المفقودة والكارثة الكونية (Lost Civilizations / Atlantis)

يروج الكتّاب من أمثال البريطاني غراهام هانكوك لفكرة أن حضارة بشرية متقدمة، شبيهة بـ “أتلانتس”، كانت موجودة خلال العصر الجليدي الأخير ودُمرت بكارثة كونية مرتبطة بحدث Younger Dryas قبل حوالي 12,900 سنة.1 ويزعم هانكوك في كتبه أن الناجين من هذه الكارثة نقلوا معارفهم المتقدمة إلى حضارات ناشئة مثل مصر وسومر، مشعلين بذلك شرارة الحضارة الأسراتية.3

تعتبر مصر مركزية لهذه النظريات لسببين: الأول، لأن أفلاطون نفسه يزعم أن أصل قصة أتلانتس يعود إلى مصادر مصرية قديمة.12 الثاني، هناك نظريات زائفة تدعي أن “الحكماء السبعة” (Seven Sages)، وهم ناجون إلهيون من الكارثة السابقة في “الوطن الأم للأوائل” (Homeland of the Primeval Ones)، هم من خططوا ونفذوا المعالم والاهرامات في مصر.13 وهناك أيضاً نظريات تربط الأهرامات بنظريات الطوفان الجيولوجي أو طوفان سفر التكوين، حيث يزعم البعض أن الأهرامات بُنيت كـ “مخازن للنجاة” من الطوفان العالمي.1

تتجاهل هذه النظريات السياق الأثري، الذي يربط بوضوح بناء الأهرامات وأبو الهول بالملوك المصريين خلال الأسرات المبكرة، ولا تجد أي أدلة جيولوجية أو أثرية تدعم وجود حضارة عالمية متطورة قبل 10,000 سنة.

للإطلاع على روبرت بوفال ونظرية ترابط الجوزاء 

2.3. فرضيات التسلسل الزمني المعدل

لا تقتصر محاولات علم الآثار الزائف على تفسير كيفية البناء، بل تمتد إلى محاولة إعادة كتابة التسلسل الزمني للحضارة المصرية بأكملها. أبرز مثال على ذلك هو عمل إيمانويل فيليكوفسكي (Immanuel Velikovsky).

في كتابه عصور في فوضى (Ages in Chaos, 1952)، اقترح فيليكوفسكي تسلسلاً زمنياً معدلاً جذرياً لمصر، يهدف إلى تقصير “العصر المظلم” في شرق البحر الأبيض المتوسط (1100–750 ق.م) ومواءمة التسلسل الزمني المصري مع الروايات التوراتية، مثل قصة الخروج.14 استندت نظريته الكارثية إلى فرضية أن كوكب الزهرة كان في الأصل مذنباً انطلق من كوكب المشتري وتسبب في كوارث كونية قريبة من الأرض قبل 3500 عام.16

قوبلت نظريات فيليكوفسكي برفض صارم من قبل المجتمع الأكاديمي، بما في ذلك علماء المصريات والمؤرخون والجيولوجيون.14 ورغم الرفض الأكاديمي القوي، لا تزال كتبه تحظى بدعم واسع بين الجمهور، الأمر الذي يسلط الضوء على الانفصال المستمر بين البحث العلمي والقبول الشعبي.14

Table Title

 

النوع الرئيسي للفرضية الهدف الأثري الأساسي أبرز المروجين (سياق اللغة) الفرضية الجوهرية (ملخص)
الكائنات الفضائية القديمة الأهرامات، التقنيات البنائية إريك فون دانكن (ألماني/سويسري) 1 الفضائيون زاروا الأرض ونقلوا التكنولوجيا إلى المصريين الأوائل.11
الحضارات المفقودة/الكارثية أبو الهول، الأهرامات، التأريخ غراهام هانكوك (بريطاني) 1 ناجون من حضارة متقدمة (أتلانتس) أسسوا مصر الأسرات بعد كارثة كونية.1
التعديل الزمني التسلسل الزمني الأسري إيمانويل فيليكوفسكي (شرق أوروبي/أمريكي) 14 اختصار التسلسل الزمني المصري لمواءمته مع السرد التوراتي والكوارث الكونية.14

 

الجزء الثالث: النقد العلمي والتفنيد الأثري (Egyptological Debunking)

تعتمد الإجابة الأكاديمية على علم الآثار الزائف على منهج تكاملي يجمع بين الأدلة النصية، والأثرية، والجيولوجية لتأكيد التسلسل الزمني والإنجازات المصرية.

3.1. الجدل حول تاريخ أبو الهول: تفنيد فرضية التآكل المائي

تُعد فرضية التآكل المائي لأبو الهول العظيم واحدة من أكثر النظريات الزائفة التي لاقت رواجاً، حيث يزعم مروجوها، مثل الجيولوجي روبرت شوك والكاتب جون أنتوني ويست، أن علامات التعرية على جدران حظيرة أبو الهول تشير إلى أمطار غزيرة سقطت قبل بدء الحضارة الأسراتية (ما قبل 3000 ق.م)، مما يعني أن التمثال قد نُحت قبل 10,000 سنة، أي قبل أن ينسبه علماء المصريات إلى الملك خفرع في الأسرة الرابعة.17

يُرفض هذا الادعاء من قبل الغالبية العظمى من علماء المصريات والجيولوجيين لعدة أسباب منهجية:

  1. السياق الأثري المتكامل: يتلاءم محيط أبو الهول بشكل مثالي مع التخطيط المعماري العام لمجمع خفرع. علاوة على ذلك، يثبت الدليل الأثري والجيولوجي أن الحجر الجيري المستخرج من حظيرة أبو الهول قد استُخدم في بناء المعابد والمباني القريبة التي تعود بوضوح إلى فترة حكم خفرع.17
  2. الجيولوجيا المحلية والتآكل: يشير علماء المصريات، مثل مارك لينر (Mark Lehner) والجيولوجيون مثل جوديث بونبري (Judith Bunbury)، إلى أن التآكل الشديد يُعزى في المقام الأول إلى الجودة الرديئة للحجر الجيري في هضبة الجيزة.17 وقد أظهرت دراسات بونبري لعينات الرواسب أن التغير المناخي وبدء وصول الرمال الصحراوية المكثفة إلى منطقة الجيزة حدث مبكراً في عهد الدولة القديمة، وهو ما يتوافق مع فترة وجود أبو الهول.17
  3. تفسير علامات المحاجر: يوضح خبراء مثل بيتر لاكوفارا أن جسم أبو الهول نُحت من بقايا محجر قديم. إن ما يُفسر بشكل خاطئ على أنه تآكل مائي عميق هو في الحقيقة علامات تركتها عمليات قطع الصخور واستخراجها حول الكتلة الصخرية الأصلية، خاصة وأن الحجر الجيري الرديء سهل التآكل.18

يشير فشل فرضية التآكل المائي إلى وجود قصور منهجي أساسي في علم الآثار الزائف، وهو الاعتماد على “التخصص المنعزل”. ففي حين أن شوك قد يكون استخدم تحليلاً جيولوجياً دقيقاً، فقد فصل هذا الدليل عن السياق الأثري والمعماري والنصي الشامل الذي لا يقبل الفصل في المنهج الأكاديمي. هذا الانفصال هو ما يجعل فرضيته غير قابلة للاستدامة علمياً.17

3.2. بناء الأهرامات وتفنيد الأساطير الحديثة

تُستخدم الأهرامات كأداة رئيسية للادعاء بالتدخل الخارجي (الفضائيين أو أتلانتس)، متجاهلين الإنجازات والقدرات المعمارية التي امتلكها المصريون.

الأدلة النصية والأثرية القاطعة

  • التطور المعماري: كما ذكر سابقاً، يوضح علماء المصريات التطور اللوجستي والهندسي من المصطبة إلى الهرم، وهو تطور استغرق قروناً من التجارب والمحاولات.1
  • بردية مرر: أحد أهم الأدلة التي تفند نظرية التدخل الخارجي هو اكتشاف نصوص خارجية، مثل “بردية مرر” (Diary of Merer)، والتي توضح تفاصيل لوجستيات ونقل الأحجار والمراحل الزمنية الدقيقة لبناء الهرم الأكبر في عهد خوفو.1 هذه الوثائق معاصرة ومباشرة، وتقدم دليلاً دامغاً على أن المصريين هم من بنوا الأهرامات.
  • دحض أسطورة العبيد: تُعد الأسطورة القائلة بأن الأهرامات بنيت بواسطة جيش من العبيد المُعنَّفين أسطورة شائعة ولكنها خاطئة، تعود جزئياً إلى روايات المؤرخ اليوناني هيرودوتس.19 تفند الأدلة الحديثة، ومنها مقابر العمال المهرة المكتشفة، هذا الادعاء، وتؤكد أن البنائين كانوا عمالاً مصريين منظمين يتمتعون بنظام عمل ولوجستيات متطورة.19

تكتيك تحويل الفجوات المعرفية إلى إثبات

يعتمد علم الآثار الزائف بشكل كبير على تكتيك استغلال أي “فجوات معرفية” متبقية في السجل الأثري لتقديمها كدليل على بطلان الرواية الأكاديمية بأكملها. على سبيل المثال، يركز المروجون على غياب شرح مفصل ومقبول بنسبة 100% لكيفية نحت بعض القطع شديدة الدقة، مثل أواني الديوريت والجرانيت الموجودة تحت هرم سقارة المدرج.21 ويزعمون أن عدم تقديم علماء المصريات لتفسير تقني دقيق لطريقة النحت يعني أنهم “لا يملكون فكرة” وبالتالي فإن التكنولوجيا يجب أن تكون خارجية.21

هذا التكتيك يتجاهل المنهج العلمي: ففي حين أن عدم معرفة الآلية الدقيقة لصنع قطعة ما يمثل فجوة بحثية يجب سدها، إلا أنه لا يلغي الأدلة النصية والأثرية الهائلة التي تربط البناء بالكامل بالحضارة المصرية. إن المطالبة بدليل ميكانيكي كامل لكل خطوة كشرط لقبول الإنجاز هو مغالطة تهدف إلى التضليل.

الجزء الرابع: الأبعاد الثقافية، السياسية، والأخلاقية لعلم الآثار الزائف

لا يقتصر تأثير علم الآثار الزائف على تشويه الحقائق التاريخية، بل يمتد إلى أبعاد أيديولوجية عميقة تتعلق بالعنصرية وإنكار إنجازات الحضارات غير الأوروبية.

4.1. العنصرية وإنكار الإنجازات الأفريقية: الأبعاد المظلمة

تتسم نظريات التدخل الخارجي والحضارات المفقودة بتحيز كبير ضد الشعوب الملونة (BIPOC)، حيث تشكك في قدرتهم على أن يكونوا مسؤولين عن تاريخهم وإنجازاتهم.8 يكمن جوهر المشكلة في افتراض أن شعوب الماضي كانت تفتقر إلى المعرفة والتكنولوجيا والقدرة اللازمة لإنجاز ما يُنسب إليها، مما يستدعي تدخلاً من “شخص أو شيء آخر” متفوق.8

للإطلاع على علم الأهرام، التاريخ، الخرافات، والنقد العلمي

النمط المقارن والإنكار الممنهج

يلاحظ المحللون أن المواقع الأثرية في أفريقيا (مصر)، وآسيا، والأمريكتين هي التي تُستخدم كـ “دليل” على التدخل الخارجي (سواء من الفضائيين أو أتلانتس)، بينما نادراً ما يتم التشكيك في إنجازات حضارات مثل اليونان القديمة أو إيطاليا.8 هذا النمط يخدم أجندة إنكار الإنجازات الأفريقية والآسيوية.

تُعتبر مصر، كحضارة أفريقية ذات إنجازات ضخمة، هدفاً رئيسياً لهذا النوع من الإنكار. إن ترويج نظريات أتلانتس أو الفضائيين يهدف إلى “تحويل” أصول هذه الإنجازات من القارة الأفريقية إلى مصدر خارجي متفوق (سواء كان بشرياً أبيض متقدماً أو غير بشري).

الارتباط بالأيديولوجيات المتطرفة

لقد أثبت التحليل النقدي وجود روابط مباشرة وخطيرة بين علم الآثار الزائف والأيديولوجيات المتطرفة، بما في ذلك القومية البيضاء (White Supremacy). يتيح علم الآثار الزائف الباب “لإعادة كتابة التاريخ من خلال عدسة القوة البيضاء”.8

على سبيل المثال، تم الكشف عن أن فرانك جوزيف، وهو مروج رئيسي لفرضيات أتلانتس، هو الاسم المستعار لـ فرانك كولين، مؤسس الحزب الاشتراكي القومي الأمريكي النازي.8 هذا الارتباط يؤكد أن التفنيد الأكاديمي لقصص أتلانتس والفضائيين ليس مجرد نقاش حول الآثار، بل هو واجب أخلاقي للدفاع عن المبادئ التاريخية والأخلاقية ضد الأيديولوجيات التي تستغل الماضي لخدمة أجندات الكراهية العنصرية.8

4.2. التغطية الإعلامية المقارنة وسباق التسليع (Commodification)

يواجه علماء الآثار تحدياً هائلاً من الهيمنة الإعلامية لعلم الآثار الزائف. فالبرامج الوثائقية التلفزيونية الزائفة تحظى بشعبية كبيرة، وتتشابه في شكلها السردي وآليات عرضها عبر مختلف الأسواق اللغوية.10 هذه العروض التلفزيونية تساهم في تعزيز العقليات التآمرية، وتتجاوز تأثير الإجماع العلمي في تشكيل وعي الجمهور.10 كما أن الانتشار الرقمي، لا سيما عبر منصات التواصل الاجتماعي، يضخم من هذه النظريات باستخدام هاشتاجات مثل #ancientaliens و #Atlantis.9

إن أحد العوامل التي أدت إلى هذا الفراغ المعرفي هو انسحاب علم الآثار الأكاديمي من مجال التواصل العام. في الستينات، ركز علماء الآثار على “تخصيص” الانضباط، مما أدى إلى فقدان برامج التوعية الشعبية الجذابة.7 لقد نشأ علم الآثار الزائف لملء هذا الفراغ، مقدماً المعلومات بطريقة عاطفية ومثيرة للاهتمام تجذب الجمهور الغفير.7

ويواجه علماء الآثار الأوروبيون (الفرنسيون والألمان وغيرهم) تحديات إضافية تتعلق بتأثير أبحاثهم المكتوبة بلغات غير الإنجليزية، حيث تشير الدراسات إلى أن الحواجز اللغوية قد تعيق الاستقبال الشامل للدراسات النقدية والتفنيد العلمي خارج نطاق التخصصات الضيقة.22 ولذلك، يجب أن تتضمن الاستجابة الأكاديمية استراتيجية واضحة للتواصل العام لتقديم الحقائق العلمية بشكل جذاب وفعال لمنافسة السرد الزائف.7

الخلاصة والتوصيات المنهجية

أثبت التحليل النقدي أن “علم الآثار الزائف” المتعلق بمصر القديمة هو ظاهرة غير منهجية، تعتمد على التضخيم العاطفي، والانتقاء المتعمد للأدلة، واستغلال الفجوات المعرفية المنهجية المؤقتة لتشويه تاريخ الحضارة المصرية. إن النظريات الكبرى حول التدخل الفضائي (فون دانكن)، أو الحضارة المفقودة (هانكوك)، أو التعديل الزمني (فيليكوفسكي)، تفشل جميعها في الصمود أمام التدقيق العلمي التكاملي الذي يجمع بين الجيولوجيا (أبو الهول)، والأدلة النصية (بردية مرر)، والتطور المعماري (تاريخ الأهرامات).

Table Title

 

المعلم الأثري/القضية الادعاء الزائف الرئيسي الحجة المضادة الأكاديمية (Egyptology) الأدلة المضادة المستعملة
أبو الهول العظيم تآكل مائي يشير إلى عمر > 10,000 سنة (ما قبل الأسرات) 17 التآكل ناتج عن نوعية الحجر الجيري الرديئة والتعرية العادية في العصور التاريخية.17 السياق المعماري يثبت ارتباطه بخفرع.18 أدلة جيولوجية مناخية (Bunbury)، أدلة المحاجر (Lehner, Lacovara)، التصميم المتكامل لهضبة الجيزة.17
الأهرامات الكبرى بنيت بواسطة تكنولوجيا فضائية أو لتكون مراكز طاقة 1 البناء يمثل تتويجاً لتطور معماري تدريجي بدءاً من المصاطب وهرم زوسر.1 بردية مرر (Diary of Merer)، تطور المدافن، مقابر العمال المهرة، الأدلة الداخلية التي تثبت وظيفة الدفن.1

إن مكافحة علم الآثار الزائف تتجاوز دقة السجل التاريخي لتصبح قضية أخلاقية وسياسية. تتجلى التداعيات الأخلاقية في استخدام هذه النظريات كأدوات لإنكار ملكية الحضارة المصرية لشعبها وأصولها الأفريقية، وهو إنكار يرتبط بشكل خطير بأيديولوجيات التفوق العنصري.8

التوصيات المنهجية:

  1. تعزيز التواصل العام: يجب على المؤسسات الأكاديمية وعلماء المصريات تطوير استراتيجيات واضحة ومبتكرة للانخراط مع الجمهور لتقديم الحقائق العلمية بطرق جذابة، لملء الفراغ الذي استغلته السرديات الزائفة.7
  2. المنهج النقدي التكاملي: يجب التأكيد على أن القوة الحقيقية لعلم المصريات تكمن في منهجه التكاملي (الذي يجمع بين النص، والأثر، والجيولوجيا، وعلم المناخ)، والذي يفند محاولات علم الآثار الزائف لفصل الأدلة عن سياقها.17
  3. الوعي بالأبعاد الأيديولوجية: من الضروري تسليط الضوء على الروابط بين علم الآثار الزائف والأجندات السياسية العنصرية، مما يجعل التفنيد دفاعاً عن الملكية التاريخية والعدالة الثقافية.

Works cited

  1. Pseudoarchaeology – Wikipedia, , https://en.wikipedia.org/wiki/Pseudoarchaeology
  2. Erich von Däniken – Wikipedia, , https://en.wikipedia.org/wiki/Erich_von_D%C3%A4niken
  3. Graham Hancock – Wikipedia, , https://en.wikipedia.org/wiki/Graham_Hancock
  4. Pseudoarchäologie als Phänomen in Gesellschaft, Medien und Wissenschaft – Charakteristika und Argumentationsmuster | Request PDF – ResearchGate, , https://www.researchgate.net/publication/380069257_Pseudoarchaologie_als_Phanomen_in_Gesellschaft_Medien_und_Wissenschaft_-_Charakteristika_und_Argumentationsmuster
  5. La pseudo archéologie ou l’archéologie romantique – Musée de Carnac, , https://www.museedecarnac.com/event-item/la-pseudo-archeologie-ou-larcheologie-romantique/
  6. Pseudoarchaeology – (Intro to Archaeology) – Vocab, Definition, Explanations | Fiveable, , https://fiveable.me/key-terms/introduction-archaeology/pseudoarchaeology
  7. “Aliens Built The Pyramids” And Other Absurdities Of Pseudo-Archaeology – By Sarah Kurnick | helenabowen.com, , https://helenabowen.com/aliens-built-the-pyramids-and-other-absurdities-of-pseudo-archaeology-by-sarah-kurnick/
  8. Did Aliens Build the Pyramids? – SAPIENS, , https://www.sapiens.org/archaeology/pseudoarchaeology-racism/
  9. (PDF) Twitter Analysis of Pseudoarchaeology and Conspiracy Theories in Archaeology, , https://www.researchgate.net/publication/377545136_Twitter_Analysis_of_Pseudoarchaeology_and_Conspiracy_Theories_in_Archaeology
  10. Archaeological representations in the media: the dominance of pseudo-Archeology, , https://www.researchgate.net/publication/364341995_Archaeological_representations_in_the_media_the_dominance_of_pseudo-Archeology?_tp=eyJjb250ZXh0Ijp7InBhZ2UiOiJzY2llbnRpZmljQ29udHJpYnV0aW9ucyIsInByZXZpb3VzUGFnZSI6bnVsbCwic3ViUGFnZSI6bnVsbH19
  11. Ancient astronauts – Wikipedia, , https://en.wikipedia.org/wiki/Ancient_astronauts
  12. Atlantis, the ancient Greeks and the lure of Egypt, , https://www.arcus-atlantis.org.uk/atlantis/atlantis-and-the-lure-of-egypt.html
  13. Hopi, Sumerian, Egyptian accounts of Atlantis : r/GrahamHancock – Reddit, , https://www.reddit.com/r/GrahamHancock/comments/10fkiir/hopi_sumerian_egyptian_accounts_of_atlantis/
  14. Immanuel Velikovsky – Wikipedia, , https://en.wikipedia.org/wiki/Immanuel_Velikovsky
  15. Ages in Chaos: A Reconstruction of Ancient History from the Exodus to Akhnaton – Immanuel Velikovsky – Book to the Future, , https://bookmust.wordpress.com/2016/03/06/ages-in-chaos-a-reconstruction-of-ancient-history-from-the-exodus-to-akhnaton-immanuel-velikovsky/
  16. Catastrophism – Wikipedia, , https://en.wikipedia.org/wiki/Catastrophism
  17. Sphinx water erosion hypothesis – Wikipedia, , https://en.wikipedia.org/wiki/Sphinx_water_erosion_hypothesis
  18. Why is the “Water Erosion on the Sphinx Theory” Not Correct or More Popular? – Reddit, , https://www.reddit.com/r/AskHistorians/comments/1rea1r/why_is_the_water_erosion_on_the_sphinx_theory_not/
  19. Dispelling Some Myths: Who built the pyramids? – Tastes Of History, , https://www.tastesofhistory.co.uk/post/dispelling-some-myths-who-built-the-pyramids
  20. Who Built the Pyramids? | Harvard Magazine, , https://www.harvardmagazine.com/2003/07/who-built-the-pyramids-html
  21. Pyramids of Giza and the Pseudoarchaeology of ‘Lost Civilizations’ – Archaeology Review, , https://ahotcupofjoe.net/2019/01/pyramids-of-giza-and-the-pseudoarchaeology-of-lost-civilizations/
  22. Can Scholarly Communication Be Multilingual? A Glance at Language Use in US Classical Archaeology – MDPI, , https://www.mdpi.com/2076-0787/2/2/128
  23. Les pyramides extraterrestres / Mytho-théories – Info ou Mytho – YouTube, , https://www.youtube.com/watch?v=5KxWg1fHeA8

 

  • Related Posts

    استخدام الكربون المشع في كشف الآثار المصرية القديمة

    لطالما اعتمد التسلسل الزمني التاريخي المصري (EHCs) على مصادر نسبية مستمدة من القوائم الملكية، والسجلات النصية، والتسلسلات الجينية، وبعض الملاحظات الفلكية القديمة.1 توفر هذه المصادر إطارًا تسلسليًا (relative chronology) وتحديدًا…

    علم الفلك الإثني (Ethnoastronomy): النطاق المنهجي والتطبيقات الكونية

    يُعرّف علم الفلك الإثني (Ethnoastronomy) بأنه فرع بحثي متعدد التخصصات يدمج بين عناصر من علم الفلك والتاريخ وعلم الأعراق (Ethnology) أو الأنثروبولوجيا.1 يتمحور هذا المجال حول دراسة المعتقدات والممارسات الفلكية…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    ماذا لو كانت رواية دوستويفسكي ناطحة سحاب؟

    • 76 views
    ماذا لو كانت رواية دوستويفسكي ناطحة سحاب؟

     الهندسة الأدبية: كيف نبني قصة؟ رواية ليالٍ بيضاء

    • 103 views
     الهندسة الأدبية: كيف نبني قصة؟ رواية ليالٍ بيضاء

    أركان المذهب الوجودي لدوستويفسكي ومنظومته الفلسفية

    • 159 views
    أركان المذهب الوجودي لدوستويفسكي ومنظومته الفلسفية

     أربع أفكار صادمة من رواية الإخوة كارامازوف

    • 147 views
     أربع أفكار صادمة من رواية الإخوة كارامازوف

    طبيعة الجريمة والذنب والمسؤولية في الإخوة كارامازوف

    • 120 views
    طبيعة الجريمة والذنب والمسؤولية في الإخوة كارامازوف

    الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب

    • 129 views
    الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب