كان بروضٍ غصنٌ ناعمٌ
يقولُ: جلَّ الواحدُ المنفردْ
فقامتي في ظرفها قامتي
ومثلُ حسني في الورى ما عهدْ
فأقبلت خنفسةٌ تنثني
ونجلها يمشي بجنبِ الكبدْ
تقول: يا زينَ رياضِ البها
إنّ الذي تطلبهُ قد وجد
فانظر لقدِّ ابني، ولا تفتخر
ما دام في العالم أمٌّ تلد
تحليل قصيدة “الغصن والخنفساء” لأحمد شوقي
تُعد قصيدة “الغصن والخنفساء” من روائع القصص الشعرية التي كتبها أمير الشعراء أحمد شوقي في ديوان الأطفال، وهي قصة حوارية تهدف إلى غرس قيمة أخلاقية نبيلة في نفوس الصغار.
1. الفكرة المحورية والمغزى الأخلاقي
- الفكرة الرئيسية: معالجة آفة الغرور والتعالي من خلال حوار رمزي بين كائنين مختلفي المظهر والقيمة في نظر العامة.
- المغزى/الحكمة: التواضع فضيلة، والجمال والكمال نسبيان وليسا مقتصرين على مظهر واحد. الجميع شركاء في قيمة الوجود، طالما أنهم نتاج الحياة التي مصدرها “أم تلد”. الهدف تعليم الطفل أن ينبذ الإعجاب بالنفس المفرط.
2. عناصر القصة والشخصيات الرمزية
اعتمدت القصيدة على التشخيص (الأنْسَنَة) لبناء قصة رمزية مؤثرة:
| الشخصية | الصفات المادية | الصفات الرمزية | الدور في القصة |
| الغصن الناعم | جميل، طويل القامة، ناعم. | يمثل الغرور والكِبر، والاعتقاد بالتفرد. | المُبادر بالحوار والمعبر عن الإعجاب بالنفس. |
| الخنفساء الأم | صغيرة، بسيطة (ضمنياً). | تمثل الحكمة والتواضع وقوة الأمومة. | المُصحح للحكمة والرد البليغ على الغرور. |
| نجل الخنفساء | بسيط، قريب من قلب أمه (“بجنب الكبد”). | يمثل القيمة الجوهرية لكل مخلوق، بغض النظر عن المظهر. | الوسيلة التي استخدمتها الأم لردع الغصن. |
3. التحليل التفصيلي للأبيات
أ. نغمة الغرور (الأبيات 1-2)
يبدأ الغصن كلامه مُعجباً بنفسه ومظهره:
“كان بروضٍ غصنٌ ناعمٌ
يقولُ: جلَّ الواحدُ المنفردْ
فقامتـي في ظرفها قامتـي
ومثلُ حسنـي في الورى ما عهدْ”
- يجمع الغصن بين تسبيح الخالق (“جلَّ الواحد المنفرد”) وبين الفخر الشخصي، مُعتقداً أنه لا نظير لجماله وأناقته (“قامتي في ظرفها قامتي”) بين الخلق (“الورى”).
- يضع شوقي الغصن في صورة الكائن المثالي شكلاً، ليعظم من قيمة الرد الذي سيأتي من كائن أقل كمالاً في العين المجردة.
للإطلاع لى قصيدة النعجة وأولادها لأحمد شوقي
ب. الرد الحكيم (الأبيات 3-5)
تأتي الخنفساء لتقلب موازين الفخر:
“فأقبلت خنفسةٌ تنثني
ونجلها يمشي بجنبِ الكبدْ
تقول: يا زينَ رياضِ البها
إنّ الذي تطلبهُ قد وجد”
- إحضار الخنفساء (الكائن البسيط) والتركيز على مشاعرها الأمومية (“بجنب الكبد”) يمثل تحويل التركيز من الجمال السطحي إلى القيمة الإنسانية (والكائنية) العميقة.
- عبارة “إنّ الذي تطلبهُ قد وجد” تعني أن الجمال والتفرد الذي تفتخر به ليس حصرياً عليك، بل هو موجود في كل خلق الله.
“فانظر لقدِّ ابني، ولا تفتخر
ما دام في العالم أمٌّ تلد”
للإطلاع على قصيدة نهج البردة لأحمد شوقي
- هذا هو ذروة الحكمة. تطلب منه أن ينظر إلى ابنها ليدرك أن القيمة الحقيقية ليست في الشكل، بل في الوجود.
- العبارة الخالدة: “ما دام في العالم أمٌّ تلد” هي النقطة الجامعة. إن الحياة تتجدد باستمرار من خلال جميع الأمهات، وكل نتاج لهذا التجديد له حقه في الوجود وقيمته، سواء كان غصناً أو خنفساء. هذا ينسف فكرة التفرد والغرور.
4. الإيقاع والأسلوب
- الإيقاع: القصيدة مبنية على بحر خفيف وسريع (بحر السريع)، مما يسهل حفظها واستيعابها من قبل الأطفال، ويعطيها نغمة حكائية سلسة.
- القافية: موحدة على حرف الدال الساكنة (“المنفردْ”، “عهدْ”، “وجدْ”، “تلدْ”)، ما يزيد من تماسك النص وقوته الحكائية.
- التكثيف: نجح شوقي في تكثيف حكمة كبيرة في خمسة أبيات فقط، باستخدام صور بسيطة وملموسة (الغصن، الخنفساء).








