قصيدة النعجة وأولادها لأحمد شوقي

اسمعْ نفائس ما يأتيكَ منْ حكمي
وافهمهُ فهمَ لبيبٍ ناقدٍ واعيكانت على زعمهمْ فيما مضى غنمٌ
بأرضِ بغدادَ يرعى جمعها راعي

قد نامَ عنها ، فنامتْ غيرَ واحدةٍ
لم يدعها في الدَّياجي للكرى داعي

أمُّ الفطيمِ ، وسعدٍ ، والفتى علفٍ
وابنِ امِّهِ ، وأخيه منيةِ الرَّاعي

فبينما هي تحتَ الليلِ ساهرةٌ
تحييهِ ما بين أوجالٍ وأوجاعِ

بدا لها الذِّئبُ يسعى في الظلامِ على
بعدٍ ، فصاحت : ألا قوموا إلى الساعي

فقامَ راعي الحمى المرعيِّ منذعراً
يقولُ : أين كلابي أين مقلاعي ؟

وضاقَ بالذِّئبِ وجهُ الأرض من فرق
فانسابَ فيه انسيابَ الظَّبي في القاع

فقالت الأمُّ : يا للفخرِ كان أبي
حراً ، وكان وفيَّاً طائلَ الباعِ

إذا الرُّعاة على أغنامها سهرتْ
سهرتُ من حبِّ أطفالي على الرَّاعي

تحليل قصيدة “النعجة وأولادها” لأحمد شوقي

تنتمي هذه القصيدة إلى نمط القصص الشعرية أو الحكايات على ألسنة الحيوانات، وهو فن استلهمه شوقي من التراث الأدبي العالمي والعربي (مثل كليلة ودمنة)، بهدف تقديم الحكمة والموعظة بأسلوب سهل ومحبب، خاصة للأطفال والناشئة.

1. الأبيات الافتتاحية والهدف (البيت 1)

اسمعْ نفائس ما يأتيكَ منْ حكمي

وافهمهُ فهمَ لبيبٍ ناقدٍ واعي

  • الرسالة المباشرة: يبدأ الشاعر بخطاب مباشر للقارئ، يرفع فيه من شأن القصيدة وما تحويه، فهي “نفائس من الحكم”.
  • تحديد المتلقي: يطلب من القارئ أن يكون “لبيباً ناقداً واعياً”، مما يدل على أن الحكمة ليست سطحية بل تحتاج إلى تأمل وفهم عميق. هذا هو الهدف التربوي للقصيدة.

2. الإطار القصصي والمكان (الأبيات 2-4)

كانت على زعمهمْ فيما مضى غنمٌ

بأرضِ بغدادَ يرعى جمعها راعي

قد نامَ عنها، فنامتْ غيرَ واحدةٍ

لم يدعها في الدَّياجي للكرى داعي

أمُّ الفطيمِ، وسعدٍ، والفتى علفٍ

وابنِ امِّهِ، وأخيه منيةِ الرَّاعي

للإطلاع لى قصيدة الغصن والخنفساء لأحمد شوقي

  • عنصر القصة: يضع الشاعر إطاراً قصصياً بقوله “كانت على زعمهم فيما مضى”، مشيراً إلى أنها حكاية متداولة.
  • المكان والزمان: يحدد المكان بـ “أرض بغداد”، ويحدد الزمان بـ “الدياجي” (ظلام الليل).
  • الشخصيات:
    • الراعي: هو رمز المسؤول المُقصّر، حيث “نامَ عنها”. هذا يمثل الإهمال من قِبل من وُكلت إليه الرعاية.
    • النعجة الأم: هي البطل الإيجابي، فهي “غير واحدة” لم تنم، بل كانت ساهرة.
    • الأولاد: يذكر أسماءهم (الفطيم، سعد، علف…) لتعميق إحساس الأمومة والمسؤولية تجاههم.

3. ذروة الحدث: ظهور الخطر (الأبيات 5-7)

فبينما هي تحتَ الليلِ ساهرةٌ

تحييهِ ما بين أوجالٍ وأوجاعِ

بدا لها الذِّئبُ يسعى في الظلامِ على

بعدٍ، فصاحت : ألا قوموا إلى الساعي

فقامَ راعي الحمى المرعيِّ منذعراً

يقولُ : أين كلابي أين مقلاعي ؟

للإطلاع على قصيدة نهج البردة لأحمد شوقي

  • حالة الأم: النعجة الأم “ساهرة” و”تحييه” (الليل)، وهذا دليل على قلقها المستمر وحسها العالي بالمسؤولية (“أوجال وأوجاع”).
  • الخطر: ظهور “الذئب” يمثل الخطر الداهم أو المتربص الذي يهدد الأمان.
  • رد فعل الأم: كان سريعاً وحاسماً: “فصاحت: ألا قوموا إلى الساعي”؛ هي مصدر التنبيه واليقظة، وقامت بدور الحارس.
  • رد فعل الراعي: قام “منذعراً”، وهو رد فعل متأخر يغلب عليه الارتباك والبحث عن أدواته (الكلاب والمقلاع)، مما يؤكد تقصيره الأولي.

4.  تراجع الخطر وعمق الحكمة (الأبيات 8-10)

وضاقَ بالذِّئبِ وجهُ الأرض من فرق

فانسابَ فيه انسيابَ الظَّبي في القاع

فقالت الأمُّ : يا للفخرِ كان أبي

حراً ، وكان وفيَّاً طائلَ الباعِ

إذا الرُّعاة على أغنامها سهرتْ

سهرتُ من حبِّ أطفالي على الرَّاعي

  • نهاية الحدث: الذئب يهرب، وهذا يدل على أن اليقظة والاحتراس حتى من مصدر غير متوقع (النعجة) كان كافياً لردع الخطر.
  • الخلاصة والحكمة (البيت 9):
    • تفتخر الأم بأصلها (“كان أبي حراً… وفيّاً طائل الباع”). هذا الربط بين الأصل والعمل يعني أن المسؤولية والغيرة على الأهل متأصلة فيها.
    • “طائل الباع” كناية عن العزيمة والهمة والقوة.
  • المغزى النهائي (البيت 10): هذا هو جوهر القصيدة. الأم تعلن أن دافعها في السهر ليس مجرد الخوف، بل هو “حب أطفالي”. فهي لم تسهر على الأغنام بشكل عام، بل “سهرتُ … على الراعي” نفسه. أي أنها قامت بواجب الراعي المُقصِّر، ودفعها إلى ذلك الحب العميق.

المغزى والموضوعات الرئيسية

  1. قيمة الأمومة: تسليط الضوء على غريزة الأمومة التي تفوق كل ضعف، وتجعل الأم تتحمل مسؤولية من حولها حتى المسؤول المُكلّف (الراعي).
  2. المسؤولية والتقصير: نقد ضمني لمفهوم التقصير والإهمال في أداء الواجب (يمثله الراعي النائم).
  3. الحرية والأصالة: ربط الأم بين يقظتها وفخرها بأصلها “الحر”، مما يربط المسؤولية بالكرامة والنسب.

التعليم عن طريق القصة: استخدم الشاعر القصة لترسيخ هذه القيم لدى القارئ بطريقة شيقة ومؤثرة.

  • Related Posts

    استخدام الكربون المشع في كشف الآثار المصرية القديمة

    لطالما اعتمد التسلسل الزمني التاريخي المصري (EHCs) على مصادر نسبية مستمدة من القوائم الملكية، والسجلات النصية، والتسلسلات الجينية، وبعض الملاحظات الفلكية القديمة.1 توفر هذه المصادر إطارًا تسلسليًا (relative chronology) وتحديدًا…

    علم الفلك الإثني (Ethnoastronomy): النطاق المنهجي والتطبيقات الكونية

    يُعرّف علم الفلك الإثني (Ethnoastronomy) بأنه فرع بحثي متعدد التخصصات يدمج بين عناصر من علم الفلك والتاريخ وعلم الأعراق (Ethnology) أو الأنثروبولوجيا.1 يتمحور هذا المجال حول دراسة المعتقدات والممارسات الفلكية…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    ماذا لو كانت رواية دوستويفسكي ناطحة سحاب؟

    • 78 views
    ماذا لو كانت رواية دوستويفسكي ناطحة سحاب؟

     الهندسة الأدبية: كيف نبني قصة؟ رواية ليالٍ بيضاء

    • 105 views
     الهندسة الأدبية: كيف نبني قصة؟ رواية ليالٍ بيضاء

    أركان المذهب الوجودي لدوستويفسكي ومنظومته الفلسفية

    • 161 views
    أركان المذهب الوجودي لدوستويفسكي ومنظومته الفلسفية

     أربع أفكار صادمة من رواية الإخوة كارامازوف

    • 149 views
     أربع أفكار صادمة من رواية الإخوة كارامازوف

    طبيعة الجريمة والذنب والمسؤولية في الإخوة كارامازوف

    • 122 views
    طبيعة الجريمة والذنب والمسؤولية في الإخوة كارامازوف

    الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب

    • 129 views
    الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب