ما هي أناجيل الأبوكريفا؟

تُعرّف أناجيل الأبوكريفا بأنها مجموعة من الأناجيل القديمة التي تتناول حياة وتعاليم المسيح لكنها لم تُضمّن في الكتاب المقدس الرسمي. تعني كلمة «الأبوكريفا» باليونانية حرفيًا «ما هو مخفٍّ أو سريّ»، وقد أُطلِقَت هذه التسمية على هذه الأناجيل لأنها ظلت «مخفاة» عن الأناجيل القانونية. تحتوي هذه المجموعة على نصوص متنوعة؛ بعضها يصف مولد المسيح وطفولته، وبعضها يروي أحاديث وعرائس غير واردة في الأناجيل المعتمدة. ورغم أنها كتبها أصحابها منذ قرون طويلة، فإن أناجيل الأبوكريفا لم تُعترف بها الكنائس رسمياً ضمن العهد الجديد. بكلمات بسيطة، يمكن القول إن هذه الأناجيل تشكل «قصصاً بديلة» أو إضافية عن شخصية المسيح، كُتبت لأغراض مختلفة، لكنها لم تصبح جزءًا من التوراة المسيحية الأساسية.

الخلفية التاريخية لظهور أناجيل الأبوكريفا

نشأت أناجيل الأبوكريفا في الأزمنة الأولى للمسيحية، أي تقريباً في القرنين الثاني والثالث الميلاديين، بعد أن انتشرت عقيدة المسيح بين شعوب عدة. في هذه الفترة، كان عدد كبير من التلاميذ والكتّاب المسيحيين يحاولون تدوين تفاصيل إضافية عن حياة يسوع وتعاليمه، خاصة تلك التي لم يذكرها الإنجيل المعتمد. فكانت الأبوكريفا محاولة لسد ثغرات في القصة التقليدية؛ فكتبوا مثلاً عن طفولة المسيح المبكرة، أو عن حوارات سرّية معه، أو عن دور بعض الشخوص الجانبية. بمرور الوقت، واجهت هذه النصوص مصيراً مختلفاً عن الأناجيل الأربعة القانونية (متى ومرقس ولوقا ويوحنا)، حين قرّرت المجامع الكنسية الحاسمة (كالتي جُمعت قبل نهاية القرن الرابع) قبول الأناجيل الأربعة فقط وجعلها أساس العهد الجديد. ومنذ ذلك الحين أصبحت أناجيل الأبوكريفا نصوصاً حاشدة؛ لم تعتمدها تلك المجامع الرسمية، وظلت تُقرأ في بعض الدوائر الخاصة أو تدرسها الباحثون.

على سبيل المثال، ظهرت مخطوطات كثيرة لهذه الأناجيل لاحقاً في مكتبات ومكتشفات أثرية. فقد عُثر في القرن العشرين على مخطوطات نادرة مهمة منها، مثل مكتبة نجع حمادي في مصر عام 1945 التي تضم أجزاء من إنجيل توما وأناجيل غنوسية أخرى. كما اكتُشف إنجيل يهوذا وسط مخطوطات قCodex Tchacos في الثمانينات. هذه الاكتشافات الحديثة أثارت اهتماماً جديداً بأناجيل الأبوكريفا، وساهمت في تسليط الضوء على تاريخها وحقيقة نشأتها وتطورها في العصور الأولى للمسيحية.

للإطلاع على  مخطوطات نجع حمادي: إعادة تشكيل فهم المسيحية المبكرة والغنوصية 

الفرق بين أناجيل الأبوكريفا والأناجيل القانونية

تكمن أهم الفروقات بين أناجيل الأبوكريفا والأناجيل القانونية في مدى الاعتراف والقبول بها. فالأناجيل القانونية (متى ومرقس ولوقا ويوحنا) هي تلك التي اعتمدتها الكنيسة رسمياً كنصوص أساسية وموحى بها، وغالباً ما يُقال إنها كتبت على يد حواريين أو شهود عيان للمسيح. أما الأناجيل الأبوكريفا فلم تُعتمد في المجامع التي اعتمدت القانون الرسمي للكتاب المقدس، وبالتالي تُعتبر قصصاً ثانوية أو «غير رسمية». هذا الفرق يعني أن أناجيل الأبوكريفا لم يُسمح بقراءتها في الطقوس الدينية العامة، بينما اعتُبر الأناجيل القانونية أساس الوعظ والعبادة.

كما يختلف المحتوى والأسلوب كذلك. فالأناجيل القانونية تقدم سرداً متتابعاً لحياة يسوع منذ بشارته وحتى موته وقيامته، وتتناول تعاليمه وأحداث صحبه. بينما يميل بعض كُتّاب الأبوكريفا إلى التركيز على قصص محدودة أو على شخصيات معينة. فمثلاً نجد بعض أناجيل الأبوكريفا تروي حكايات عن طفولة المسيح (حيث يقيم معجزات غريبة وهو فتى صغير)، أو تحكي عن لقاءات سرية وصحبة روحية، أو تعرض تعاليم روحية مكتوبة في شكل حوارات بين المسيح وأتباعه. كما أنّها قد تأتي بنبرات مختلفة؛ فقد تظهر بعض الأناجيل الأبوكريفا وجهات نظر تتسم بالغموض أو التعاليم السرية (التي تتصل بما يعرف بالروحانية الغنوصية)، الأمر الذي كان سبباً في عزوف الكنائس الرسمية عنها ورفضها. باختصار، أناجيل الأبوكريفا تعتبر بدائل غير قاطعة لأحداث وحياة المسيح، ولم تتواءم مع معايير المجامع الكنسية بشأن الأصالة والعقيدة المباشرة، فاستبعدتها من قائمة الكتب المقدسة.

للإطلاع على  الغنوصية الفالنتينية: نظام لاهوتي غنوصي متكامل

أبرز أناجيل الأبوكريفا ومحتوياتها

يُوجد الكثير من الأناجيل الأبوكريفا، ولكن سنذكر هنا أشهرها ومحتوياتها بشكل مبسط:

  • إنجيل يعقوب (إنجيل الطفولة): يُعرف أيضاً باسم إنجيل أخنوخ (غير كتاب أخنوخ القديم). يحكي قصة مولد العذراء مريم وتفاصيل نشأتها وعائلتها. على سبيل المثال، يعرض هذا الإنجيل رواية تفصيلية عن والدي مريم اللذين شُخّصا بالعقم فصارا يصلّيان حتى أعطاهما الله ابنة سماها مريم. ثم يروي الإنجيل كيف كُوّنت سبية في الهيكل لتخدم الله، وكيف حدثت معجزة حملها بيسوع الرسول، وكيف وُلد يسوع في مغارة في بيت لحم، بما يشمل رؤية الملائكة والنجوم وغنائم الرعاة والمجوس. يهدف إنجيل يعقوب إلى تمجيد مكانة مريم وبيان قداستها منذ الطفولة، ويُعد من أشهر أناجيل الأبوكريفا المتعلقة بطفولة المسيح وأمه.
  • إنجيل توما (أقوال المسيح السرية): هو مجموعة أقوال وعبارات يُزعم أنها نقلها الحواري توما غير قانونية. اكتُشفت نسخة مكتوبة لها في مكتبة نجع حمادي في مصر وهي مكتوبة بالقبطية، وقد عُرف أنها تحتوي على 114 قولا أو حكمة يدّعي أنها لـ «يسوع الحي». تتشابه بعض هذه الأقوال مع ما في الأناجيل القانونية لكنها غالباً ما تكون مقتضبة وموسومة بالتلميح الروحي والغموض، ولذلك يربطها البعض بالتوجهات الغنوصية. مثلاً فيها نصوص تتحدث عن خلاص بالمعرفة الداخلية، وتحوّل للداخل وليس للخارج. يعد إنجيل توما أحد أهم أناجيل الأبوكريفا لنوعية محتواه، حيث يركز على الجانب الروحي الغامض لتعاليم المسيح.
  • إنجيل توما الطفولي: يروي قصصاً عن طفولة المسيح ولكن بأسلوب مختلف عمّا في إنجيل يعقوب. في هذا الإنجيل يصور يسوع فتى مشاغباً يصنع طيوراً من الطين فيحييها، ويمارس معجزات غريبة أخرى مثل سدّ العيون وخاصمة المعلمين. المشاهد فيه حكايات تربوية ويشمل معجزة صادرة عن طاقة يسوع خارقة للطبيعة في مراهقته. رغم طرافة هذه القصص وقربها من خيال الأطفال، إلا أنها تعكس رغبة الكتّاب في إظهار طبيعة إلهية للطفل يسوع.
  • إنجيل بطرس: يركز على أحداث الصلب والقيامة. يتضمن وصفاً غير مألوف لنشأة الجلجثة وكلمة «بطرس» في العنوان الذي أطلق على كاتب زُعم أنه بطرس الحواري. في هذا الإنجيل تُبرز الرؤية المسيحية من منظور دراماتيكي؛ فقد يصف المسيح وقد تقتصر الكلمات المألوفة فيه لتغير الروتينة العادية، وينقل أصوات الكون تصرخ أثناء الصلب؛ مما أكسبه شهرة في إثارة الخيال الروحي.
  • إنجيل مريم المجدلية: يروي رؤى وحوارات بعد القيامة بين المسيح ومريم المجدلية وآخرين. يظهر الإنجيل مريم شخصية مركزية تفهم تعاليم خاصة ترفعها فوق بطرس ويوحنا، مما جرّ عليها الجدل لدى الكنيسة في تحقيق الثقة بقصتها. حُذف كثير من هذا الإنجيل، لكن ما بقي يظهر تأكيد دور مريم كرسول حبّ وحكمة، ونظرته الروحية عن النبذ والتشكيك في السلطة.
  • إنجيل يهوذا الإسخريوطي: ظهر في الكتابات الحديثة من نص مسيحي غنوصي، يدور حول محادثات بين المسيح ويهوذا. وفيه يتغيّر دور يهوذا من خائن يُدينه التقليد المسيحي إلى خادمه الأهم في تنفيذ خطة الله، حيث يقرّر أن يسلّم المسيح للصلب لكي تكتمل خطة الفداء. اكتُشفت نسخة من هذا الإنجيل في نهاية القرن العشرين. وقد جذب هذا الإنجيل الانتباه لأنه يُعيد تصوير يهوذا كشخصية إيجابية، وهو ما يختلف تماماً عن النظرة التقليدية له، كما أنه يعطي لمحة عن أفكار غنوسية عن المعرفة والخلاص.
  • إنجيل برنابا: رغم أنه من الفترات المتأخرة (يُعتقد أنه كتبه راهب في القرنين الرابع عشر أو الخامس عشر)، فهو مشهور لدى بعض القراء خاصة خارج المسيحية. يُنسب إلى أحد رسل المسيح لكن باطل، ويحكي حكاية تحجب الألوهية عنه، وتنبأ بقدوم النبي محمد. لم تقرّه الكنيسة إطلاقاً، لكنه من أناجيل الأبوكريفا التي تُذكر في النقاشات الحالية بسبب موضوعاته المغايرة وشهرتها بين العامة.

هنالك أيضاً أناجيل أخرى كثيرة مثل إنجيل العبرانيين وإنجيل الأبيونيين وإنجيل الكنيسة المسمّى “معاداة السامية”، وإنجيل حوار الأمثال، وإنجيل الصعود وغيرها. ومعظم هذه الأناجيل تركز على مواضيع محددة كطفولة المسيح أو معجزاته أو حواراته، وقد تبعتها حوارات لاهوتية ونقدية حول وجهة نظرها. يبقى الهدف من ذكرها أنها تظهر التنوع الكبير في أناجيل الأبوكريفا وثراء المحتوى الذي أرّخ للمسيح بعد الكتابات الأساسية.

نظرة الكنيسة إلى أناجيل الأبوكريفا

تنظر الكنائس المسيحية التقليدية إلى أناجيل الأبوكريفا باعتبارها غير معترف بها رسمياً ضمن الكتاب المقدس. وباختصار، رفضت الكنيسة وضعها في العهد الجديد لعدة أسباب: أولها إن مصدرية هذه الأناجيل وأسانيدها (أي من كتبها ومتى كتبت) كانت مشكوكاً فيها مقارنة بالأناجيل القانونية التي نسبها التقليد إلى تلاميذ المسيح أو أتباعهم المقربين. ثانياً، أعطاها المجامع الزمانية وقتها صفة أنها تتضمن قصصاً أو تعاليم تنحرف عن التعاليم المسيحية الموحدة، مثل التأكيد المبالغ فيه على الأسرار الغنوصية، أو إضافة معجزات لم تذكر في الأناجيل القانونية. ولهذه الأسباب، وصفتها الكنيسة غالباً بالـ«منحولة» أو «غير القانونية».

على الرغم من ذلك، فإن الكنيسة لم تمنع قراءة أناجيل الأبوكريفا كلية في كل زمان. فالبعض من القديسين والآباء الأوائل (كإيريناوس وأوريجانوس وغيرهما) كان لديهم إلمام بهذه الأناجيل وأشاروا إليها في نقاشاتهم ليفندوا أفكارها. وفي بعض الحالات، أُشير إلى أن بعض هذه الكتب يمكن الاطلاع عليها لفائدتها التاريخية أو الروحية الخاصة، شريطة أن لا تُعتمد كمصدر أساسي للعقيدة. لكن المهم أن الكنيسة لم تُقر أية قراءات منها في القداسات أو التعليم الرسمي.

اليوم، تظل أناجيل الأبوكريفا موضوعاً ثانوياً لدى الكنائس، حيث يُنظر إليها على أنها جزء من التراث المسيحي القديم، لكن ليس كتاباً مقدساً ملزماً. هناك طوائف صغيرة أو أفكار روحية مستقلة قد تأخذ من بعض أناجيل الأبوكريفا ما يتوافق مع معتقداتها، ولكن الكنائس الكبيرة (المسيحية الأرثوذكسية أو الكاثوليكية أو البروتستانتية) تعتبر معظم هذه الأناجيل من التراث غير الأصلي، وتدرسها فقط لأغراض معرفية أو ثقافية، وليس كجزء من الإيمان الموحد.

تأثير أناجيل الأبوكريفا على الثقافة والفكر الديني

على الرغم من أنها لم تُعتمد كنصوص دينية أساسية، تركت أناجيل الأبوكريفا أثراً لا يُستهان به على الثقافة الدينية الشعبية والأدب المسيحي. فقد أدخلت أفكاراً وعناصر قصصية ظهرت لاحقاً في الفنون والتقاليد. على سبيل المثال، كثير من تفاصيل حياة مريم العذراء الشهيرة (كالاحتفال بعيد دخولها الهيكل، أو قصص والديها القدّيسين يوحنا وآنا) انتشرت بفضل إنجيل يعقوب والأبوكريفا المرتبطة بها، وباتت جزءاً من الليتورجيا المسيحية وقصص الأيقونات الدينية. كذلك، الصور المرسومة ليسوع في طفولته تقوم على قصص من أناجيل الأبوكريفا لم تكن موجودة في الأناجيل القانونية؛ مثل قصة تحويله طيناً إلى طيور أو إعجازه بالمعلمين، وهي تحكيها أناجيل الطفولة (تعيد إحياء هذه الصور في أيقونات وكتب الأطفال).

في العصر الحديث، اهتمت هذه الأناجيل الأبوكريفية الباحثون والقراء العاديون على حد سواء. فهي زادت من التساؤلات حول نشأة المسيحية ومصادر عقيدتها. هناك من كتب عنها كتباً موجهة للجمهور العام تشرح ما فيها من أسرار، واستُخدمت أيضاً في الثقافة الشعبية (روايات وأفلام وغالباً بشكل درامي أو فرضياتية). على سبيل المثال، أغلب ما تناولته روايات شهيرة عن «الكتب المفقودة» أو «سرّ المسيح الحقيقي» يستند إلى قصص الأبوكريفا، وإن كانت بشكل خيالي. كما تجد بعض المواضيع التي ناقشتها هذه الأناجيل طريقها إلى النقاشات الأوسع عن تاريخ الأديان، خاصة بين الأديان الإبراهيمية حيث يشير بعض الباحثين إلى تشابهات بين بعض فقرات الأبوكريفا وبعض روايات في القرآن أو التراث الإسلامي مثل إنجيل برنابا.

بشكل عام، أسهمت أناجيل الأبوكريفا في إثراء الفكر الديني من منظور تاريخي؛ فهي أظهرت تنوع المعتقدات بين المسيحيين الأوائل. فمن خلالها نعرف أن الكنيسة الأولى لم تكن موحدة تماماً من البداية، بل كانت هناك مدارس فكرية متعددة (كالغنوصية أو اليهودية المسيحية) أبدعت أناجيلها الخاصة. تأثيرها الثقافي لا يقتصر على المسيحية فقط؛ فقد أصبحت رموزا أدبية ومدخلًا لفهم التفاعلات بين الأديان والديانات الشائعة على مر العصور. فالأفكار التي طرحتها هذه الأناجيل توضح كيف أن مفهوم الحياة الآخرة والحرية الروحية وغيرها من المبادئ كانت تشغل فكر الناس منذ أول القرن الميلادي وحتى اليوم.

سبب اهتمام الباحثين والقراء بها اليوم

يتجلى الاهتمام الحديث بأناجيل الأبوكريفا في عدة أسباب متداخلة. أولاً، تمثّل نافذة على تاريخ المسيحية الأولية؛ فالدارسون يرون فيها أدلة على كيف كانت المجتمعات المسيحية تتأثر بالأحداث السياسية والاجتماعية وتعبر عن معتقداتها بطرق مختلفة. القراءة الدقيقة لهذه الأناجيل تساعد الباحثين في فهم العادات والمخاوف الدينية والتوترات العقائدية في فترات تأسيس الدين المسيحي.

ثانياً، اكتشاف مخطوطات جديدة عزز الفضول: ففي القرون الماضية ظلت هذه الأناجيل غامضة بشكل كبير، لكن مع اكتشاف مكتبة نجع حمادي في مصر، ورفع الستار عن مخطوطات نادرة مثل إنجيل يهوذا، صارت الترجمة والدراسات لهذه النصوص أكثر سهولة. لقد أدى إلقاء الضوء عليها إلى نشر كتب ومقالات أكاديمية وشعبية تشرح محتواها وتبحث في مدى صدقها التاريخي.

ثالثاً، توجد سعة في حرية المناقشة اليوم: فمع تطور حرية التعبير واختلاط الثقافات، يميل الناس إلى استكشاف البدائل والمكتوم من التاريخ الديني، ما يدفع القراء العاديين والطلاب إلى تنقيب الإنترنت عن «الأناجيل المخفية». ولذلك تنتشر نسخ مطبوعة وغير مطبوعة من هذه الأناجيل في المكتبات العربية والعالمية، ويجري الاستشهاد بها في النقاشات الدينية والفكرية (في حدود الاستدلال بها لا كمصادر موثوقة).

أخيراً، يعود الاهتمام لهذه الأناجيل إلى طابعها الغامض والجاذب. فالقارئ العادي يستشعر بأنها «قصص حقيقية عن المسيح لم تُروَ» كما لو أنها تحمل أسرارًا، الأمر الذي يولّد رغبة في المعرفة لدى العامة. ولا ننسى التأثير الإعلامي؛ فقد تطرق إليها إعلاميون ومثقفون عبر مقالات وجلسات نقاش، فضلاً عن بعض البرامج التلفزيونية التي ناقشتها بطريقة مبسطة. كل ذلك جعل أناجيل الأبوكريفا موضعاً للاهتمام الأدبي والفكري، حتى بات البعض يعتبرها ثروة تاريخية وسلوكًا بحثيًا شيّقاً يعيد رسم جزء من التاريخ الديني بطريقة أوسع.

في الختام، يمكن القول إن أناجيل الأبوكريفا ظلت دائمًا محط تساؤل وفضول، لأنها تقع على هامش التاريخ المسيحي الرسمي، فتفتح أمام القارئ نافذة أوسع على أبعاد دينية وثقافية وخيالية، وتمنحه فرصة لفهم كيف تصوّر الناس حياتهم الروحية بخلاف ما يصل إلينا عبر المراجع المألوفة.

 

  • Related Posts

    استخدام الكربون المشع في كشف الآثار المصرية القديمة

    لطالما اعتمد التسلسل الزمني التاريخي المصري (EHCs) على مصادر نسبية مستمدة من القوائم الملكية، والسجلات النصية، والتسلسلات الجينية، وبعض الملاحظات الفلكية القديمة.1 توفر هذه المصادر إطارًا تسلسليًا (relative chronology) وتحديدًا…

    علم الفلك الإثني (Ethnoastronomy): النطاق المنهجي والتطبيقات الكونية

    يُعرّف علم الفلك الإثني (Ethnoastronomy) بأنه فرع بحثي متعدد التخصصات يدمج بين عناصر من علم الفلك والتاريخ وعلم الأعراق (Ethnology) أو الأنثروبولوجيا.1 يتمحور هذا المجال حول دراسة المعتقدات والممارسات الفلكية…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    ماذا لو كانت رواية دوستويفسكي ناطحة سحاب؟

    • 78 views
    ماذا لو كانت رواية دوستويفسكي ناطحة سحاب؟

     الهندسة الأدبية: كيف نبني قصة؟ رواية ليالٍ بيضاء

    • 105 views
     الهندسة الأدبية: كيف نبني قصة؟ رواية ليالٍ بيضاء

    أركان المذهب الوجودي لدوستويفسكي ومنظومته الفلسفية

    • 161 views
    أركان المذهب الوجودي لدوستويفسكي ومنظومته الفلسفية

     أربع أفكار صادمة من رواية الإخوة كارامازوف

    • 149 views
     أربع أفكار صادمة من رواية الإخوة كارامازوف

    طبيعة الجريمة والذنب والمسؤولية في الإخوة كارامازوف

    • 122 views
    طبيعة الجريمة والذنب والمسؤولية في الإخوة كارامازوف

    الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب

    • 129 views
    الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب