ما هي الغنوصية السيثية (Sethianism)؟

الغنوصية السيثية (Sethianism) هي إحدى التيارات الغنوصية الرئيسية التي ظهرت في القرنين الثاني والثالث الميلاديين. تسمى هذه الغنوصية نسبةً إلى سيث، الابن الثالث لآدم وحواء، حيث يعتبرها أتباعها مصدر المعرفة السرية الأولى. ورد ذكر الغنوصية السيثية لأول مرة عند آباء الكنيسة الأوائل مثل إيريناؤس (حوالي 180 م) وغيرهم، وجاءت نصوصها في مخطوطات النجع حمادي القبطية المكتشفة لاحقًا. وفقًا للباحث جون تورنر، نشأت الغنوصية السيثية في القرن الثاني الميلادي كنتيجة لمزج فكرين يهوديين هلنستيين مميزين، مع تأثيرات ظهرت عليها من المسيحية والفلسفة الأفلاطونية الوسطى. لم يكن للتيار السيثي قيادة موحدة موثقة بالاسم في النصوص القديمة، لكن المؤرخين يطلقون عليه “تيار السيثية” بسبب اعتقاد أتباعه بأن سيث هو الناقل الأول لهذه المعرفة الروحية. يظهر هذا التيار الثري بالأساطير والمعرفة السرية في عدد من النصوص الغنوصية، ويتسم بخاصية فريدة تتمثل في إعادة تفسير التراث الديني اليهودي والمسيحي القديم عبر عدسة غنوصية.

للإطلاع على تاريخ مفصل وكامل للغنوصية

الجذور الفكرية والدينية للغنوصية السيثية

ترتبط جذور الغنوصية السيثية بمزيج من التأثيرات الدينية والفكرية المتنوعة. فهي من جهة تندرج ضمن السياق العبراني-اليهودي التوفيقي (الهيلنستي)، حيث استلهمت بعض مفاهيمها الأسطورية من العهد القديم. فعلى سبيل المثال، تقدم الأسطورة السيثية إعادة تفسير جذري لقصة الخلق الواردة في سفر التكوين، وتعتبر الرواية اليهودية التقليدية للخلق رواية جزئية تعكس رؤية “الديميورج” الذي هو أدنى مرتبةً من الإله الأعلى. من جهة أخرى، تأثرت الغنوصية السيثية بالأفكار المسيحية المبكرة، إذ يتبين في بعض النصوص أنها تضمّنت عناصر مسيحية مثل تصوير يسوع كمجسّد للمعرفة الخلاصية، وإن كان تصورها للمسيح في الأغلب دوكيتًا (ظاهريًا) يختلف عن المعتقدات الأرثوذكسية. وإلى جانب ذلك، امتدت جذور السيثية إلى الفلسفة اليونانية القديمة؛ فقد تبنت المدرسة السيثية مفاهيم أفلاطونية (لا سيما الأفلاطونية الوسطى)، مثل فكرة العالم الفائق (الملء الأعلى Pleroma) والانبعاثات الإلهية. ولعلّ أواخر القرن الثاني الميلادي شهدت اندماجًا بين جماعة يهودية تعرف بالباربيلويين (البربيلويين)، وهي مجموعة معمودية تُكرّس للإيّون باربيلو الإله الأعلى، وبعض مفسّري الكتاب المقدس الذين أطلقوا على أنفسهم “الشيثيون” نسبة إلى سيث. هذا المزيج المعقد من الأفكار الدينية اليهودية المبكرة والمسيحية المتجذّرة والفلسفية اليونانية أثمر ما يُسمى بالغنوصية السيثية، التي اعتُبرت أول النماذج الغنوصية اللاحقة.

أبرز النصوص الغنوصية السيثية ومصادرها

ظهرت معظم معرفتنا بالغنوصية السيثية من خلال مخطوطات نُسخت قبطيةً في مكتبة نجع حمادي (مصر، اكتُشفت سنة 1945م). تضم هذه المكتبة مجموعة ضخمة من النصوص الغنوصية المبكرة، ومنها عدة نصوص رئيسية للتيار السيثي. من أهم هذه النصوص سفر يوحنا السري (Apocryphon of John)، وهو نص أسطوري يصور فيه يسوع المسيح للكشف ليوحنا سر الخليقة والمعلومية الإلهية يُعتبر هذا السفر «المخطوط الأكثر أهمية في الغنوصية السيثية الكلاسيكية» حيث يحتوي على ملخص لأسطورة السيثيين بما فيها الإشارة إلى «الإله المجهول» فوق الديميورج. من النصوص السيثية الشهيرة الأخرى الموجودة في نجع حمادي: تنوير نورية (Thought of Norea)، والعلم الثلاثي أو Interpretation of Knowledge، والمصحف الإلهي الخفي العظيم (الإنجيل القبطى للمصريين)، وزوستريانوس (Zostrianos)، والثلاثة أعمدة لسيث (Three Steles of Seth)، ومارسانس (Marsanes)، وألوجينيس (Allogenes). كما تضم المخطوطات جزءًا من الثاني من تعاليم سيث العظيم (Second Treatise of the Great Seth) وصوت الرعد، العقل الكامل (The Thunder, Perfect Mind) وغيرها من المؤلفات الغنوصية ذات الصلة. باختصار، شكّلت مكتبة نجع حمادي المصدر الأساسي لمعرفة مقولات الغنوصية السيثية، حيث نجت هذه النصوص من زمنها بفضل إخفائها في الماضي ثم ترجمتها مؤخّرًا.

للإطلاع على تاريخ إبليس في الأديان

العقائد والمفاهيم المركزية في الغنوصية السيثية

تنطلق العقيدة السيثية من تصور ثنائي عميق بين الإله الأعلى والإله الديموريجي. ففي المعتقد السيثي، هناك إله أعلى متعالٍ «مجهول» لا يتعرّض مباشرةً للعالم المادي، إذ تنبثق عنه سلسلة من الكائنات الإلهية أو الأيونات بتزاوج ذكر-أنثى. أوّل هذه الأيونات هو الإيّون باربيلو، التي تُعدّ شريكًا في إرسال الانبعاثات الإلهية التالية. تمثل هذه الأيونات صفات الله الإلهيّة، ويُطلق على مجموعها «الملأ الأعلى» ووفقًا للأسطورة السيثية، حدثت أزمةٌ داخل الملأ حين بادرت أيون تُسمّى صوفيا (الحكمة) إلى أنبعاث غير مصرح به، مما أدّى إلى نشوء كائن جديد خارج الملأ، يُعرف بـ«يلداباوت» (Yaldabaoth)، وهو تمثيل لديميورج الخلق. يُصوَّر يلداباوت أحيانًا كثعبان برأس أسد، ويُلقب في النصوص السيثية بأسماء مثل «ساكلاس» (أي الأحمق) أو «سامائيل» (إله أعور). غالبًا ما يُفسّر السيثيون هذا الكائن باعتباره ديميورجًا محدود القدرات؛ فهو يجهل وجود العلي، وفي اللحظة نفسها يخلق العالم المادي والبعد المادي للإنسان.

بعد ذلك، يستعين يلداباوت بخلقه لعالم مادي مملوء بالقوى المظلمة، فيستنسخ ما في الملأ الأعلى بصورة ناقصة. ولإدارة هذا العالم ينشئ مجموعة من الكائنات تعرف بـ«الأراخنة» (Archons) وهي خدام الديميورج الذين يتصوّرون بأن لهم أشكالًا حيوانية في معظم الصور الأسطورية. في المقابل، يعتقد السيثيون أن جوهر الإنسان ليس مادياً بالكامل؛ فداخل الإنسان «شرارة إلهية» أو «عنصر سماوي» مختبئ في العالم المادي. ولذلك فإن خلاص الفرد يكون عن طريق المعرفة الباطنية (الغنوص)، التي تُحرّر هذه الشرارة وتسمح للروح بالارتقاء إلى النور الإلهي. باختصار، يرى أتباع الغنوصية السيثية أن العالم الفاني نتيجة خَلق ديميورجي ناقص، وأن الطريقة الوحيدة للخلاص هي اكتساب المعرفة الروحية العليا (الغنوص) التي توصل الروح إلى مصدَرها الإلهي المتعال.

للإطلاع على  الغنوصية الفالنتينية: نظام لاهوتي غنوصي متكامل

علاقتها بالمسيحية المبكرة والديانات اليهودية والغنوصية الأخرى

تفاعلت الغنوصية السيثية مع المناخ الديني في القرون الأولى بطرق معقدة. فقد وُجِد السيثيون بين مجتمعات مسيحية في مصر وبلاد الشام، إلى حد أن آباء الكنيسة مثل إيريناؤس ذكرهم كطائفة هرطقية غنوصية معادية. ورغم استخدامهم للشخصيات الكتابية (سيث ونوريا ويوسف الناصري)، فقد اختلفت عقائدهم اختلافاً كبيراً عن التعاليم المسيحية السائدة. فأكّد السيثيون في نصوصهم على أن يسوع جاء حاملاً معرفة إلهية باطنية، لكنهم اعتقدوا أحياناً أن المسيح لم يتجسد جسدياً في هذا العالم. لذلك رفضت الكنيسة المسيحية الناشئة آراءهم الدوكتية واعتبرتهم هرطقة.

أما من زاوية اليهودية، فكانت الغنوصية السيثية تعدّل بعض المفاهيم اليهودية التقليدية؛ إذ وصّف بعض نصوصها إله العهد القديم بأنّه ديميورج أدنى مقامًا، بينما يوجد فوقه إله أعلى لا تعرفه الأبواب الدينية العادية. وبالرغم من استخدامهم لأسماء من التوراة والإنجيل، كانت روايات السيثيين أسطورية ومغايرة، مما جعل يهود ويهود متديّنون يرفضونها غالبًا.

واللافت أن الغنوصية السيثية لم تكن ظاهرة منعزلة؛ فقد تشاركت مع فرق غنوصية أخرى في بعض الرموز والأفكار. يرى بعض الباحثين وجود قرابة بين السيثية والمندائية (وهي ديانة غنوصية لا تزال قائمة في العراق)، حيث تشترك بعض الطقوس مثل فكرة المعمودية متعددة الطوابق. كما تبين أن نصوص السيثية أخذت بعض الثمار الأسطورية والعقائدية من بيئات غنوصية أخرى: فهناك من يذكر مثلاً ارتباطًا بالمانوية وتقاليد النصارى العبرانيين الأوائل. لكن مع ذلك، ظل تيار السيثية مميزًا بأساطيره الخاصة ونصوصه الفريدة.

الاضطهاد والانحسار ثم الاهتمام الحديث

سُجِّل في التاريخ أن الغنوصية السيثية (بقية الغنوصية عامة) عانت اضطهادًا طويلًا من الكنيسة المسيحية الأرثوذكسية. قاد رجال الدين الأوائل، مثل إيريناؤس وهيبوليتوس وإبفاني، حملات ضد المذاهب الغنوصية ووصفوها بالهرطقة. وقد أدى ذلك إلى تهميش السيثيين وتصغير آثارهم؛ فقبل القرن العشرين كان يُعرف عنهم القليل إلا من كتابات هؤلاء المعارضين، التي كثيرًا ما كانت منحازة. في القرن الثالث الميلادي، اجتمع تأثير ضغط الكنيسة والنقد الفلسفي فشلّت المدارس السيثية في أن تتماسك، فانقسمت وتفككت إلى جماعات أصغر (مثل الأرخنيين والأوديين والبوربوريين) حتى اختفى اسم الغنوصية السيثية تدريجيًا بحلول العصور الوسطى.

لم يُعاد الحديث عن الغنوصية بشكل عام ولا السيثية بشكل خاص إلا مع اكتشاف مخطوطات نجع حمادي عام 1945. فقد أدت هذه المكتبة إلى إحياء دراسة النصوص الغنوصية التي بقيت طي الكتمان قرونًا. منذ ذلك الحين، اهتم مؤرخو الأديان والكتاب الغربيون بدراسة السيثية، واعتمدوا على ترجمات نصوصها. كما انتعش الاهتمام بها في الثقافة العامة: فقد تأثر بها كتّاب وفلاسفة من أمثال هانس يوناس وفرانز فالتر، وانتشرت في الأدب الغربي الحديث مراجع إلى أفكار غنوصية. إن عودة الاهتمام بالغنوصية السيثية اليوم هي جزء من الاهتمام الأوسع بعصر العصور القديمة المتأخرة ومذاهبها الروحية السرية.

للإطلاع على  مخطوطات نجع حمادي: إعادة تشكيل فهم المسيحية المبكرة والغنوصية 

تأثير الغنوصية السيثية على الفكر الفلسفي والصوفي لاحقًا

على الرغم من انحسارها كتيار ديني، تركت الغنوصية السيثية أثراً غير مباشر في الفكر الفلسفي والمستقبلي. فالكثير من الأفكار الغنوصية (مثل التماهي مع العالم الروحي عن طريق المعرفة الداخلية والتأكيد على واقعية البُعد الديني الخفي) تجد أصداءً في بعض مدارس التصوف والفلسفة اللاحقة. يلاحظ بعض الباحثين العربية التشابه بين مفاهيم الغنوصية السيثية وأفكار التصوف الإسلامي؛ فكلاهما يُركّزان على طلب معرفة أسرار الله داخلياً وباطنياً.بل إن طريقة تنظيم الطوائف السيثية (بوجود شيوخ ومعلمين خاصين وجماعات دينية تتميز بنهج غامض) شُبّهت بتنظيم الطرق الصوفية الإسلامية. كما نقلت أفكار غنوصية إلى بعض المدارس الفلسفية الغربية الحديثة؛ فقد استمد عالم النفس كارل يونغ والعديد من المفكرين المعاصرين رموزًا من النصوص الغنوصية، وظلّت مفاهيم مثل الحكمة السرّية (اللوغوس أو اللوغوس الداخلي) جزءًا من التيارات الروحانية الحديثة مثل اللاهوت الباطني والثيولوجيا الصوفية.

بالإضافة لذلك، تُرى بعض العناصر الغنوصية في التراث الصوفي نفسه؛ فمثلاً مدرسة «التنوير» عند الشيخ إشراق الكردي اشتهرت بعناصر هلنستية غنوصية مثل ضوء إشراقي يصدر عن حقيقتي الإله العليا. ولم يرتبط الأثر الغنوصي بالفكر الشرقي فقط، بل امتد إلى تيارات فلسفية غربية مثل الفلسفة التقليدية والكابالي اليهودية في العصور الوسطى، وحتى إلى الحركات الصوفية الحديثة. فقد كتب بعض الفلاسفة الغربيين كألن باجلز وهارولد بلوم عن “الغنوصية في زمننا”، معيدين بناء الأساطير السيثية في سياق الفلسفة ما بعد الحداثة. وبذلك أصبح التراث السيثي جزءاً من التراث الثقافي العالمي الذي جمع بين التأمل الروحي والفكر الفلسفي العميق، مؤكدًا على أن الغنوصية السيثية (Sethianism) كانت حلقة مهمة في تاريخ الأفكار الروحية الإنسانية.

للإطلاع على  المانوية (Manichaeism): دين النور والظلمة

المصادر: 

تعود معظم المعلومات الواردة أعلاه إلى الدراسات الأكاديمية المعاصرة ونصوص مكتشفات نجع حمادي. من أبرزها الموسوعات والمراجع العلمية التي توثق نشأة الأديان القديمة والهرطقات المسيحية، إضافة إلى التحليلات التي كتبها الباحثون المتخصصون في الغنوصية كما استُخدم محتوى الملحقات الرقميّة لنصوص غنوصية قديمة لجمع هذه المعارف.

 

  • Related Posts

    استخدام الكربون المشع في كشف الآثار المصرية القديمة

    لطالما اعتمد التسلسل الزمني التاريخي المصري (EHCs) على مصادر نسبية مستمدة من القوائم الملكية، والسجلات النصية، والتسلسلات الجينية، وبعض الملاحظات الفلكية القديمة.1 توفر هذه المصادر إطارًا تسلسليًا (relative chronology) وتحديدًا…

    علم الفلك الإثني (Ethnoastronomy): النطاق المنهجي والتطبيقات الكونية

    يُعرّف علم الفلك الإثني (Ethnoastronomy) بأنه فرع بحثي متعدد التخصصات يدمج بين عناصر من علم الفلك والتاريخ وعلم الأعراق (Ethnology) أو الأنثروبولوجيا.1 يتمحور هذا المجال حول دراسة المعتقدات والممارسات الفلكية…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    ماذا لو كانت رواية دوستويفسكي ناطحة سحاب؟

    • 78 views
    ماذا لو كانت رواية دوستويفسكي ناطحة سحاب؟

     الهندسة الأدبية: كيف نبني قصة؟ رواية ليالٍ بيضاء

    • 105 views
     الهندسة الأدبية: كيف نبني قصة؟ رواية ليالٍ بيضاء

    أركان المذهب الوجودي لدوستويفسكي ومنظومته الفلسفية

    • 161 views
    أركان المذهب الوجودي لدوستويفسكي ومنظومته الفلسفية

     أربع أفكار صادمة من رواية الإخوة كارامازوف

    • 149 views
     أربع أفكار صادمة من رواية الإخوة كارامازوف

    طبيعة الجريمة والذنب والمسؤولية في الإخوة كارامازوف

    • 122 views
    طبيعة الجريمة والذنب والمسؤولية في الإخوة كارامازوف

    الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب

    • 129 views
    الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب