نظرية ترابط الجوزاء وعلاقتها بمصر القديمة

تُعرّف نظرية ترابط الجوزاء (Orion Correlation Theory, OCT/TCO) بأنها فرضية هامشية ضمن علم المصريات تحاول تفسير الترتيب الهندسي المعقد للهرم الأكبر في الجيزة.1 اقترح هذه الفكرة لأول مرة روبرت بوفال (Robert Bauval)، وهو مهندس سابق ومؤلف وباحث في شؤون مصر القديمة وُلد في الإسكندرية.2 نُشرت الفكرة مبدئيًا في عام 1989 في مجلة Discussions in Egyptology (المجلد 13).1 اكتسبت النظرية شهرة واسعة بعد نشر كتاب The Orion Mystery: Unlocking the secrets of the Pyramids في عام 1994، والذي شارك بوفال في تأليفه مع أدريان جيلبرت.1 لاحقًا، طوّر بوفال النظرية بالتعاون مع مؤلفين آخرين، مثل جراهام هانكوك، في أعمال تتضمن Keeper of Genesis.1 على الرغم من شهرتها الجارفة في أوساط الجمهور وبعض الكتب التي تنتمي لتيار العصر الجديد (New Age) 1، تُصنف النظرية بشكل مستمر من قِبَل علماء المصريات وعلماء الآثار على أنها فرضية شبه علمية أو شبه أثرية، ويُشار إليها أحيانًا بعبارات انتقاصية في الأوساط الأكاديمية.2

إن الخلفية الهندسية لبوفال تفسر الميل إلى البحث عن حلول هندسية ومنطقية دقيقة لأنماط البناء.3 وينتج عن هذا التوجه المنهجي محاولة الهندسة العكسية للقصد (reverse-engineering intent)، حيث يتم استنتاج دوافع البنائين من النتائج الهندسية المرصودة، بدلاً من الاعتماد على السياق التاريخي والوثائق النصية التي يفضلها علماء المصريات التقليديون.

1.2. الفرضية المحورية للارتباط الأرضي-السماوي

تتمثل الفرضية المركزية لـ TCO في وجود علاقة مباشرة ومقصودة بين موقع الأهرامات الرئيسية الثلاثة في هضبة الجيزة وبين نجوم حزام كوكبة الجوزاء (Orion’s Belt).1 الأهرامات المعنية هي الهرم الأكبر (خوفو)، وهرم خفرع، وهرم منقرع، التي يقابلها النجوم الثلاثة: النطاق (Alnitak)، والنظام (Alnilam)، والمنطقة (Mintaka)، على التوالي.1

تذهب النظرية إلى أبعد من مجرد الارتباط الموضعي، حيث تدعي وجود ترابط بين الخصائص الفيزيائية للمباني والخصائص الفلكية للنجوم. يدعي المؤيدون أن ارتفاعات الأهرامات تتناسب مع السطوع المرئي (القدر الظاهري) للنجوم.5 فالهرم الأصغر (منقرع) يتوافق مع النجم الأكثر خفوتًا (المنطقة)، الذي يتميز أيضًا بوجود انزياح طفيف عن الخط المستقيم الذي يربط النجمين الآخرين، وهو ما يُزعم أنه ينعكس بدقة في موقع هرم منقرع المائل قليلاً عن محور هرمي خوفو وخفرع.1

بالإضافة إلى هذا الارتباط النجمي المصغر، تقترح النظرية وجود ارتباط أوسع: يتم تمثيل نهر النيل في الموقع الأرضي بمجرة درب التبانة في الموقع السماوي.1 وتُدرج بعض الإصدارات الموسعة من النظرية أهرامات إضافية (مثل أهرامات دهشور) لتُقابل نجوماً أخرى في كوكبة الجوزاء (مثل الدبران والنجم إبسيلون الثور).7

1.3. السياق الأثري المقبول والنزاع الزمني

التأريخ المقبول عالمياً لبناء مجمع الجيزة يضعه ضمن حقبة الأسرة الرابعة في الدولة القديمة، في الفترة ما بين 2580 و2500 قبل الميلاد تقريباً.8 يُنسب الهرم الأكبر إلى الفرعون خوفو (حوالي 2589–2566 ق.م.)، وهرم خفرع إلى خفرع (2558–2532 ق.م.)، وهرم منقرع إلى منقرع (2532–2503 ق.م.).9 هذا التأريخ مدعوم بالأدلة النصية، والسجلات الأثرية، وتأريخ الكربون المشع للمواد العضوية الموجودة في الملاط المستخدم في البناء.8

يتمثل جوهر النزاع الزمني في أن النظرية تعتمد بشكل حاسم على مفهوم المبادرة (precession of the equinoxes).11 يزعم بوفال وهانكوك أن المحاذاة “المثالية” بين الأهرامات ونجوم حزام الجوزاء كانت موجودة فقط في تاريخ قديم جداً يرجع إلى حوالي 10,500 قبل الميلاد.1 هذا التاريخ يتناقض بشكل جذري مع التسلسل الزمني الأثري المقبول للدولة القديمة بفارق زمني يبلغ حوالي 8000 عام.8 إن بقاء النظرية وانتشارها يعتمد بشكل كبير على جاذبيتها الشعبية (الكتب الأكثر مبيعًا والأفلام الوثائقية) 1، مما يسمح لها بتجاوز متطلبات المراجعة الأكاديمية الصارمة الضرورية للقبول العلمي التقليدي.

II. الهندسة الأرضية والحركية السماوية (فرضية بوفال-جيلبرت)

2.1. تفاصيل التخطيط الهندسي والمقارنة الضوئية

يُعدّ الارتباط التفصيلي بين موقع الأهرامات ونجوم حزام الجوزاء هو الركيزة الأساسية لـ TCO. تُظهر الفرضية أن النجم النطاق (Alnitak) يقابل الهرم الأكبر (خوفو)، والنجم النظام (Alnilam) يقابل هرم خفرع، والنجم المنطقة (Mintaka) يقابل هرم منقرع.1

يُشار إلى أن المنظرين يؤكدون على أن إزاحة هرم منقرع (الأصغر) نحو الشمال الغربي عن الخط الذي يربط هرمي خوفو وخفرع، يتطابق مع الإزاحة الطفيفة لنجم المنطقة (الأخفت) عن المحور الخطي للنجمين الآخرين.1 كما ورد أن هذا الترابط يمتد إلى حجم الأهرامات (الارتفاع) مقابل سطوع النجوم.5

الجدول الأول: مصفوفة الترابط بين أهرامات الجيزة ونجوم حزام الجوزاء (وفق فرضية بوفال)

الهيكل في الجيزة (الهرم) الفرعون (التاريخ المقبول ~2500 ق.م.) النجم المرتبط (حزام الجوزاء) سطوع النجم (القدر الظاهري) ادعاء بوفال/جيلبرت الموقعي
الهرم الأكبر (خوفو) خوفو النطاق (Zeta Orionis) الأسطع (1.77–1.83) أكبر الأهرامات، نقطة تحديد المحاذاة
هرم خفرع خفرع النظام (Epsilon Orionis) سطوع متوسط (~1.70) الهرم الأوسط، نقطة المحاذاة المركزية
هرم منقرع منقرع المنطقة (Delta Orionis) الأخفت (2.20–2.25) أصغر الأهرامات، منحرف عن المحور الخطي، يطابق الانزياح النجمي

تثير المماثلة بين الارتفاع والسطوع نقطة هامة: في حين أن الترتيب يعمل بشكل نوعي (أكبر يقابل أسطع، أصغر يقابل أخفت)، فإن هرم خفرع، بسبب موقعه على أرضية مرتفعة، يبدو أطول من هرم خوفو. هذا التباين البصري والجيولوجي يتم تجاهله من قبل مؤيدي النظرية الذين يعطون الأولوية للخريطة الهندسية المجردة على حساب الملاحظات المادية أو الجيولوجية.9 هذا يشير إلى تحيز انتقائي في المنهجية، حيث يتم تكييف الظواهر المرصودة لدعم الفرضية المركزية.

2.2. الدور الجوهري للمبادرة وتاريخ 10,500 ق.م.

الادعاء الأكثر إثارة للجدل في TCO هو ربط التخطيط بظاهرة المبادرة (Precession of the Equinoxes).11 وهي حركة دورانية بطيئة لمحور دوران الأرض تؤدي إلى تغيير تدريجي في المواقع الظاهرية للنجوم على مدى آلاف السنين. زعم بوفال وهانكوك أن المحاذاة والزاوية المحددة لتخطيط الجيزة تطابق تمامًا شكل حزام الجوزاء كما كان يبدو خلال لحظة الاعتدال الربيعي في حوالي 10,500 قبل الميلاد.1

يُعد هذا التاريخ جوهرياً للفرضية، إذ يربطها بالسيناريوهات المتعلقة بحضارة ضائعة سبقت التاريخ المصري التقليدي. ولإكمال “اللقطة السماوية”، يجب أن يمثل أبو الهول كوكبة الأسد (Leo)، الذي كان موقعه يتقاطع مع الاعتدال الربيعي في تلك الحقبة البعيدة.1

يتطلب الاعتماد على تاريخ 10,500 ق.م. الإقرار بأن البنائين القدماء لم يكونوا يمتلكون مجرد معرفة أسطورية بالنجوم، بل كانوا يمتلكون أيضاً علماً فلكياً بالغ التعقيد يشمل دورة المبادرة الطويلة الأمد. كان عليهم أن يمتلكوا القدرة على ترميز هذا العلم في هندسة معمارية تتجاوز بكثير المعرفة الأثرية والتقنية المنسوبة للمصريين القدماء في تلك الفترة الزمنية السحيقة.8

III. الكوزمولوجيا المصرية والعمارة الجنائزية: ساهو، أوزوريس، ورع

3.1. العبادة النجمية وارتباط أوزوريس/ساهو

من الثابت في علم المصريات أن قدماء المصريين أظهروا اهتماماً بالظواهر السماوية.5 في الأساطير المصرية، ارتبطت كوكبة الجوزاء بالإله ساهو (Sah, Sahu, Saah)، والذي تم لاحقاً دمجه مع الإله أوزوريس، إله البعث والحياة بعد الموت.1 كانت زوجة ساهو هي الإلهة سوبدت، التي جُسدت في النجم سيريوس.14 وتؤكد نصوص الأهرام (Pyramid Texts)، وهي أقدم نصوص دينية معروفة يعود تاريخها إلى أواخر الأسرة الخامسة والسادسة (حوالي 2400-2300 ق.م.)، على رحلة الفرعون المتوفى إلى السماء وتحوله إلى الإله ساهو.15

هذا الارتباط اللاهوتي يمنح النظرية أساساً ثقافياً مقبولاً، حيث يؤكد على أن النجوم كانت ذات أهمية طقسية وجنائزية للملوك.1 هذه القيمة الثقافية لكوكبة الجوزاء تدعم احتمال وجود محاذاة رمزية في 2500 ق.م.، لكنها لا تبرر المطالبات الهندسية لعام 10,500 ق.م.

3.2. الجدل الحاسم: العبادة الشمسية مقابل العبادة النجمية

على الرغم من الأهمية الثقافية لأوزوريس/ساهو، يؤكد علماء المصريات التقليديون على أن حقبة بناء أهرامات الجيزة (الأسرة الرابعة) كانت تحت هيمنة عبادة الشمس (رع).17 كانت الأهرامات الكبيرة نفسها جزءًا من مجمعات جنائزية ضخمة تركز على عبادة الشمس، وشهدت الأسرات اللاحقة (الخامسة) بناء معابد شمسية مخصصة.18

يعد التركيز على رع مسألة بالغة الأهمية، حيث تميل التوجيهات المعمارية للأهرامات إلى التوافق مع الاتجاهات الشمسية ومركز العبادة الشمسي في هليوبوليس.19 يطرح هذا التضارب سؤالاً جوهرياً حول القصد المعماري الأساسي: إذا كانت أهرامات الجيزة تمثل التعبير الأقصى للاهوت الملكي في الأسرة الرابعة، فهل كان الدافع الأساسي هو خارطة نجمية (أوزوريس/ساهو)، أم كان الهدف هو التناغم مع المسار الشمسي (رع)؟

إن غياب النصوص الفلكية الصرفة التي تعود إلى الدولة القديمة (2700–2200 ق.م.) يجعل إثبات وجود “خطة رئيسية” سماوية أمرًا صعباً.20 ومع ذلك، تشير الأدلة إلى أن المصريين كانوا يمتلكون ممارسات فلكية متقدمة حتى في فترات سابقة، مثلما يظهر في موقع نبتة بلايا (Nabta Playa) حوالي 4600 قبل الميلاد، حيث لوحظت محاذاة نجمية.6 يشير هذا إلى وجود تقليد طويل ومستمر للرصد الفلكي، وهو ما يدعم فكرة الأهمية الرمزية للجوزاء، لكنه يفصل بوضوح هذه الأهمية عن فرضية بوفال حول الهندسة الجيوديسية المعقدة لعام 10,500 ق.م.

IV. تفنيد النظرية من منظور الفلك والهندسة

تُعتبر نظرية ترابط الجوزاء غير مدعومة منهجياً من قبل أغلبية علماء المصريات وعلماء الفلك، الذين وجدوا مغالطات جوهرية في حساباتها ومطالباتها بالدقة.

4.1. عدم التوافق الزاوي (الخلل الهندسي الرئيسي)

واجهت فرضية بوفال نقداً لاذعاً من فلكيين محترفين مثل إد كروب (Ed Krupp) من مرصد جريفيث وأنطوني فيرال (Anthony Fairall) من جامعة كيب تاون.3 حيث قاما بتحقيق مستقل حول الزاوية النجمية المطلوبة.

وجد كروب وفيرال أن الزاوية التي يشكلها محاذاة حزام الجوزاء بالنسبة للاتجاه شمال-جنوب خلال العصر المزعوم (10,500 ق.م.) كانت تتراوح بين 47 و50 درجة.3 هذه الزاوية تختلف بشكل كبير عن الزاوية التي يشكلها تخطيط الأهرامات على الأرض، والتي تبلغ حوالي 37.8 درجة.19 هذا التباين الزاوي الأساسي يمثل فشلاً جوهرياً في مطابقة الفرضية، خاصة عندما ترتكز النظرية على ادعاء “المطابقة المثالية”.

علاوة على ذلك، أشار كروب إلى أن التخطيط المنحني الطفيف للأهرامات الثلاثة ينحرف نحو الشمال، في حين أن الانحناء الطفيف في نجوم حزام الجوزاء ينحرف نحو الجنوب.1 ولإحداث المطابقة البصرية التي عرضها بوفال وجيلبرت في كتابهما The Orion Mystery، كان لا بد من قلب خريطة الأهرامات (Inversion) دون الكشف عن هذا التلاعب البصري، وهو ما يمثل عيباً منهجياً خطيراً في عرض الأدلة.1

4.2. نقد مركب أبو الهول-الأسد والمفارقة التاريخية للبروج

لتبرير تاريخ 10,500 ق.م.، ربطت النظرية أبو الهول بكوكبة الأسد (Leo).12 ومع ذلك، تم تفنيد هذا الارتباط لسببين رئيسيين:

  1. المفارقة التاريخية (Anachronism): كوكبات البروج (Zodiac) تنبع في الأصل من بلاد ما بين النهرين ولم تكن معروفة في مصر إلا في الحقبة اليونانية الرومانية المتأخرة، أي بعد آلاف السنين من بناء الأهرامات.1
  2. الخطأ الفلكي: أظهرت الحسابات الفلكية أن الاعتدال الربيعي في عام 10,500 ق.م. كان يقع في كوكبة العذراء (Virgo)، وليس الأسد (Leo).1

بالإضافة إلى ذلك، لاحظ النقاد أنه إذا كان نهر النيل يمثل درب التبانة والأهرامات تمثل الجوزاء، فإن أبو الهول (المفترض أنه الأسد) يقع على الجانب غير الصحيح من النيل/درب التبانة.1

الجدول الثاني: ملخص التناقضات الفلكية والأثرية الرئيسية

 

معيار الترابط ادعاء المؤيدين (بوفال/هانكوك) النقد الأكاديمي/البيانات الفعلية مصدر التناقض
تاريخ البناء التخطيط الأساسي يعود إلى حوالي 10,500 ق.م. 12 البناء المقبول يعود إلى 2580–2500 ق.م. (الأسرة الرابعة) 8 أدلة أثرية 8
الزاوية المحورية للحزام مطابقة مثالية في 10,500 ق.م. محور الأهرامات: $37.8^\circ$؛ محور الحزام (10,500 ق.م.): $47^\circ$–$50^\circ$ 3 عدم تطابق هندسي 3
هوية أبو الهول يمثل كوكبة الأسد في 10,500 ق.م. 1 الاعتدال الربيعي كان في العذراء (Virgo)؛ البروج غير معروفة 1 مفارقة تاريخية فلكية 1
دقة الخريطة “دقة خارقة” 7 تتطلب قلب الخريطة الأرضية لغرض المطابقة البصرية 1 تلاعب منهجي/بصري 1

 

4.3. التحليل الكمي في الألفية الثالثة قبل الميلاد (الحجة المضادة الدقيقة)

في سياق الحفاظ على الموضوعية الأكاديمية، يجب الإشارة إلى الدراسات الكمية التي اختبرت النظرية باستخدام أدوات إحصائية متقدمة، ولكن مع تركيز على الفترة الزمنية المقبولة للبناء (حوالي 2500 ق.م.). أجرى فينسينزو أوروفينو (Vincenzo Orofino)، وهو أستاذ في علم الفلك والفيزياء الفلكية، تحليلاً كمياً للترابط، مستخدماً محاكاة مونت كارلو (Monte Carlo simulations).5

خلصت دراسة أوروفينو (2011، مراجعة 2014) إلى أن الترابط بين مواقع الأهرامات وارتفاعاتها وبين الخصائص الفلكية والضوئية لنجوم حزام الجوزاء ليس غير متوافق مع الفلك الأثري والملاحظات بالعين المجردة لتلك الحقبة.5 ووجد التحليل أن الانحراف الموقعي كان صغيراً جداً، في حدود 2.5 دقيقة قوسية، وهو مدى يقع ضمن قدرة العين البشرية على التمييز.19

هذه النتيجة تثبت أن وجود ترابط رمزي أو تقريبي قد يكون ممكناً ومتوافقاً مع المعارف المصرية في عصر الدولة القديمة، لكنها لا تدعم فرضية بوفال حول الدقة المطلقة أو التاريخ البالغ القدم.19 بل إن هذا العمل الكمي يدحض تحديداً الفرضيات البديلة، مثل نظرية ترابط الدجاجة (Cygnus-Giza Correlation)، مما يعزز المنهجية العلمية في تقييم الظواهر الأثرية الفلكية.5 إن وجود التوافق الإحصائي في 2500 ق.م. يفصل تماماً بين إمكانية وجود ارتباط رمزي وبين الفشل في إثبات القصد الهندسي الفائق الدقة المرتبط بتاريخ 10,500 ق.م.

V. التناقضات الأثرية والتقنية

5.1. غياب الأدلة الأثرية على حضارة 10,500 ق.م.

الادعاء بأن “الخطة الأساسية” لأهرامات الجيزة قد تم وضعها في 10,500 ق.م. يخلق فجوة تاريخية غير قابلة للتصديق في ضوء السجل الأثري العالمي.12 التأريخ التقليدي المدعوم بالبيانات النصية والكربون المشع يحدد بوضوح بناء الأهرامات في الفترة ما بين 2700 و2500 ق.م..8

إن افتراض وجود حضارة في 10,500 ق.م. قادرة على إجراء حسابات المبادرة المعقدة ونقلها إلى تخطيط جيوديسي ضخم يتطلب دقة هائلة يتعارض مع الأدلة العالمية والمحلية التي تشير إلى أن تلك الفترة كانت تتميز بمجتمعات الصيد والجمع.8 يؤكد هذا الجانب أن TCO تتلاءم مع نظريات التنتشر المفرط (Hyperdiffusionism) التي تفترض وجود مصدر ضائع للمعرفة (مثل أسطورة أتلانتس).12

كما أن النظرية تفشل في تفسير التطور المعماري في الأسرة الرابعة، بدءاً من الأهرامات التجريبية للملك سنفرو في دهشور (مثل الهرم المائل والهرم الأحمر).22 لو كانت هناك خطة رئيسية مثالية يرجع تاريخها إلى آلاف السنين، لما كان هناك مجال للتجربة والخطأ في تطور البناء الهرمي.

5.2. نقد الحجج المرتبطة (أبو الهول وتآكل الأحجار)

إحدى الحجج المساندة لـ TCO، التي تحاول دعم تاريخ 10,500 ق.م.، هي الادعاء بأن تآكل أبو الهول يشير إلى عمر أقدم بكثير من تاريخ الأسرة الرابعة.1 ومع ذلك، فإن هذه الآراء، التي اقترحها بعض المؤيدين مثل كولين ريدر، تم رفضها بالكامل تقريباً من قبل علماء الجيولوجيا (بما في ذلك جيمس هاريل ولال غوري) وعلماء المصريات.1

يُعزى التآكل المرصود على أبو الهول إلى عوامل تقليدية ومقبولة علمياً، مثل التغيرات في طبقات الحجر الجيري نفسها، والتعرية بواسطة الرمال التي تحملها الرياح، والتلوث الصناعي الحديث، والتغيرات الحرارية.1

5.3. انعكاسات النقد على الصرامة الأثرية

تُعَدّ TCO مثالاً بارزاً على كيفية تأثير التقديم البصري والروائي الجذاب على التفسير العلمي. فبدلاً من التركيز على القياسات الزاوية الدقيقة التي كشف عنها كروب وفيرال 1، تركز الفرضية على قوة التشابه النوعي والصور المركبة.1

وقد أكدت لجنة معايير البث (BSC) في عام 2000، بعد بث الفيلم الوثائقي Atlantis Reborn الذي اختبر أفكار بوفال وهانكوك، أن موقف البرنامج النقدي ضد TCO كان مبرراً علمياً. ورغم أن اللجنة قبلت شكوى واحدة تتعلق بحذف رد بوفال على نقطة معينة، إلا أنها رفضت تسع شكاوى رئيسية أخرى، مؤكدة أن النقد الموجه للنظرية لم يكن غير عادل.1 يشير هذا القرار إلى الافتقار إلى الصلاحية الأكاديمية لأجزاء كبيرة من النظرية.

VI. الخلاصة والتداعيات (التقييم الشامل)

6.1. موازنة الترابطات والاختلافات

توفر نظرية ترابط الجوزاء إطاراً جذاباً للتفسير، مستغلة الصلة الأسطورية المؤكدة بين كوكبة الجوزاء (ساهو) والإله أوزوريس في المعتقد المصري القديم.1 ومع ذلك، يفشل هذا الإطار في اختبارات التحليل الكمي والكرونولوجي.

نقاط الفشل الرئيسية للـ TCO هي:

  1. عدم الدقة الهندسية: التناقض الزاوي البالغ حوالي 10 درجات بين ميل محاور الأهرامات وميل حزام الجوزاء في التاريخ المزعوم (10,500 ق.م.) ينسف ادعاء “المطابقة المثالية”.3
  2. التناقض الزمني: التاريخ المقترح (10,500 ق.م.) لا يتوافق مع أي دليل أثري أو تاريخي موثوق به، ويتعارض مع هيمنة العبادة الشمسية في عصر بناة الأهرامات ومع التطور المعروف للكوزمولوجيا المصرية.8

6.2. تداعيات على أبحاث الفلك الأثري المستقبلية

يُظهر التقييم العلمي لـ TCO ضرورة الفصل بين البحث عن الدلالات الرمزية في العمارة المصرية القديمة وبين الادعاءات الهندسية الفائقة التي تتطلب تكنولوجيا غير موثقة. يمكن للأبحاث المستقبلية في الفلك الأثري أن تستفيد من المنهجية الكمية المستخدمة في دراسات مثل دراسة أوروفينو.5

هذه الدراسات لا ترفض إمكانية وجود ترابط رمزي أو ثقافي للأهرامات مع الأجرام السماوية يكون متوافقاً مع فلك العين المجردة للأسرة الرابعة.19 بل إنها تؤكد أهمية السياق الأثري، ففي حين أن الحضارة المصرية ربما كانت تمتلك تقليداً فلكياً عميق الجذور (كما يُحتمل في نبتة بلايا) 6، فإن أي ارتباط يجب أن يفسر دوافع البناة في الألفية الثالثة قبل الميلاد، وليس الافتراضات الكاذبة المتعلقة بحضارات ما قبل التاريخ. إن تفنيد النظريات المنافسة، مثل ترابط الدجاجة، يرسخ أيضاً مصداقية التحليل الإحصائي في هذا المجال.21

 

6.3. نظرية ترابط الجوزاء في سياق الأركيولوجيا غير التقليدية

 

تُعد نظرية ترابط الجوزاء مثالاً نموذجياً للنظريات الهامشية (fringe theories) التي تكتسب قوة دفع هائلة من خلال وسائل الإعلام الجماهيرية، متجاوزة القنوات الأكاديمية.1 إن اعتماد النظرية على تبرير هندسي (العثور على نمط) دون تقديم أدلة نصية أو أثرية موازية يؤكد أنها محاولة لفرض نموذج هندسي محدد على البيانات المادية. ولذلك، تستمر نظرية ترابط الجوزاء في التصنيف الأكاديمي كظاهرة شعبية لا تمتلك الدعم اللازم من قبل علم المصريات أو علم الفلك.2

Works cited

  1. Orion correlation theory – Wikipedia, , https://en.wikipedia.org/wiki/Orion_correlation_theory
  2. Bauval and his Pseudo-archaeological Orion Correlation Theory, , https://ericwedwards.wordpress.com/2013/08/11/bauval-and-the-orion-correlation-theory/
  3. Robert Bauval – Wikipedia, , https://en.wikipedia.org/wiki/Robert_Bauval
  4. The orion Mystery: Unlocking the secrets of the Pyramids (Trade Paperback) – AbeBooks, , https://www.abebooks.com/first-edition/orion-Mystery-Unlocking-secrets-Pyramids-Robert/31280692765/bd
  5. Archaeoastronomical Study of the Main Pyramids of Giza, Egypt: Possible Correlations with the Stars? – Scirp.org., , https://www.scirp.org/journal/paperinformation?paperid=61389
  6. [1109.6266] A quantitative astronomical analysis of the Orion Correlation Theory – arXiv, , https://arxiv.org/abs/1109.6266
  7. Going Orion in a Circle (Or: The Challenging Cayce of 10,500BC) – Hall of Maat, , https://www.hallofmaat.com/orioncorrelation/going-orion-in-a-circle-or-the-challenging-cayce-of-10500bc-2/
  8. Great Pyramid of Giza – Data Science Lab, , https://dlab.epfl.ch/wikispeedia/wpcd/wp/g/Great_Pyramid_of_Giza.htm
  9. Pyramides de Gizeh : Guide Ultime des Merveilles Anciennes de l’Égypte – Egyptra Travel Services, , https://egyptra.pro/fr-pyramides-de-gizeh
  10. Great Pyramid of Giza – Wikipedia, , https://en.wikipedia.org/wiki/Great_Pyramid_of_Giza
  11. Do The GIZA Pyramids Align With ORION’S Belt? – YouTube, , https://www.youtube.com/watch?v=JsKX3VaNhCA
  12. Pyramidology – Wikipedia, , https://en.wikipedia.org/wiki/Pyramidology
  13. GIZEH AND THE CONSTELLATION OF ORION – YouTube, , https://www.youtube.com/shorts/Zvqkny-xdw4
  14. Orion | PDF | Osiris – Scribd, , https://fr.scribd.com/document/659165433/Orion
  15. The Pyramid Texts: The Oldest Known Religious Texts – History of Information, , https://www.historyofinformation.com/detail.php?entryid=2189
  16. Pyramid Texts – Wikipedia, , https://en.wikipedia.org/wiki/Pyramid_Texts
  17. (PDF) Heliopolis and the Solar Cult in the Third Millennium BC – ResearchGate, , https://www.researchgate.net/publication/322120703_Heliopolis_and_the_Solar_Cult_in_the_Third_Millennium_BC
  18. “The Kings of the Sun. The Fifth Dynasty Sun Temples and the Solar Cult at the Old Kingdom” Dr Massimiliano Nuzzolo, , https://writeups.talesfromthetwolands.org/2021/01/15/the-kings-of-the-sun-the-fifth-dynasty-sun-temples-and-the-solar-cult-at-the-old-kingdom-dr-massimiliano-nuzzolo/
  19. Orion Correlation Theory – Vincenzo Orofino Analysis (2011-2014) : r/GrahamHancock, , https://www.reddit.com/r/GrahamHancock/comments/1hs87da/orion_correlation_theory_vincenzo_orofino/
  20. A quantitative astronomical analysis of the Orion Correlation Theory – arXiv, , https://arxiv.org/pdf/1109.6266
  21. (PDF) Archaeoastronomical Study of the Main Pyramids of Giza, Egypt: Possible Correlations with the Stars? – ResearchGate, , https://www.researchgate.net/publication/284547315_Archaeoastronomical_Study_of_the_Main_Pyramids_of_Giza_Egypt_Possible_Correlations_with_the_Stars
  22. Les méthodes de construction et leurs caractéristiques – Sciences & Pyramides, , https://sciencespyramides.wordpress.com/le-sol-egyptien/methodes-de-construction/
  • Related Posts

    استخدام الكربون المشع في كشف الآثار المصرية القديمة

    لطالما اعتمد التسلسل الزمني التاريخي المصري (EHCs) على مصادر نسبية مستمدة من القوائم الملكية، والسجلات النصية، والتسلسلات الجينية، وبعض الملاحظات الفلكية القديمة.1 توفر هذه المصادر إطارًا تسلسليًا (relative chronology) وتحديدًا…

    علم الفلك الإثني (Ethnoastronomy): النطاق المنهجي والتطبيقات الكونية

    يُعرّف علم الفلك الإثني (Ethnoastronomy) بأنه فرع بحثي متعدد التخصصات يدمج بين عناصر من علم الفلك والتاريخ وعلم الأعراق (Ethnology) أو الأنثروبولوجيا.1 يتمحور هذا المجال حول دراسة المعتقدات والممارسات الفلكية…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    ماذا لو كانت رواية دوستويفسكي ناطحة سحاب؟

    • 78 views
    ماذا لو كانت رواية دوستويفسكي ناطحة سحاب؟

     الهندسة الأدبية: كيف نبني قصة؟ رواية ليالٍ بيضاء

    • 105 views
     الهندسة الأدبية: كيف نبني قصة؟ رواية ليالٍ بيضاء

    أركان المذهب الوجودي لدوستويفسكي ومنظومته الفلسفية

    • 161 views
    أركان المذهب الوجودي لدوستويفسكي ومنظومته الفلسفية

     أربع أفكار صادمة من رواية الإخوة كارامازوف

    • 149 views
     أربع أفكار صادمة من رواية الإخوة كارامازوف

    طبيعة الجريمة والذنب والمسؤولية في الإخوة كارامازوف

    • 122 views
    طبيعة الجريمة والذنب والمسؤولية في الإخوة كارامازوف

    الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب

    • 129 views
    الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب