الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب
تُعد رواية “الإخوة كارامازوف” تحفة نفسية سبقت ظهور نظرية التحليل النفسي بزمن طويل، ما يجعلها دراسة عميقة حول الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب. لم يكن غريباً أن يصف سيغموند فرويد دوستويفسكي بأنه “الروائي الذي يجب أن يوضع بعد شكسبير مباشرة”، بل وكرّس له مقالاً كاملاً بعنوان “دوستويفسكي وقتل الأب” (Dostoevsky and Parricide). يرى فرويد في الرواية نصاً اعترافياً يكشف عن الصراعات اللاواعية للمؤلف، ويقدم تحليلاً دقيقاً لآليات الدفاع النفسية (Defense Mechanisms) التي يستخدمها الإنسان للتعامل مع الصدمات، والمعاناة، والرغبات المكبوتة. إن البنية الأساسية للعمل، الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب، هي ما يمنحها هذا العمق الفرويدي المبكر.
تستند هذه المقالة إلى أطروحة مفادها أن الصراعات الفلسفية والأخلاقية الواعية التي يخوضها الإخوة ليست سوى تسامٍ (Sublimation) أو ترشيد (Rationalization) لـصراع نفسي أعمق وأكثر بدائية: “الكارامازوفية” وإرث عقدة أوديب المتمثلة في الرغبة اللاواعية بقتل الأب. سنقوم بتحليل كل أخ من خلال عدسة مفاهيم فرويد، وتحديداً من خلال الاستراتيجيات الثلاث التي وصفها في كتابه “الحضارة وسخطها” (Civilization and Its Discontents) لتجنب آلام الحياة، مع التركيز على كيف تتجسد الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب في دوافعهم.
للإطلاع على الصراع الوجودي في رواية الإخوة كارامازوف
الكارامازوفية الليبيدو الجامح والتمهيد لـ الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب
قبل تحليل آليات الدفاع، يجب فهم طبيعة الصراع المشترك الذي يؤسس لـ الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب. ورث الإخوة الثلاثة عن والدهم، فيودور بافلوفيتش كارامازوف، “الطبيعة الكارامازوفية” (The Karamazov Strain). يمثل فيودور تجسيداً لـ “مبدأ اللذة” (The Pleasure Principle) في صورته المطلقة: شهواني، فاسق، لا يحكمه عقل أو ضمير، ومنغمس تماماً في الملذات الحسية بلا قيود.
من منظور فرويدي، تمثل “الكارامازوفية” الليبيدو (Libido) أو غريزة الحياة (Eros) غير المقيدة والموجهة بالكامل نحو الإشباع الفوري والبدائي. إنها قوة حيوية جامحة لا تخضع لرقابة الأنا (Ego) أو الأنا العليا (Superego). أما الأب نفسه، فيودور، فهو يمثل عقبة أوديبية يجب التخلص منها، سواء بالنسبة لأبنائه أو للمجتمع ككل، ما يضع الأساس الدرامي لـ الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب. إن قتل الأب، أو قتل الأب الرمزي، يصبح الفعل المحوري الذي تتجمع حوله كل الصراعات اللاواعية. إن الكبت الداخلي الذي يعاني منه الأبناء ناجم عن شعور مزدوج: الكراهية الشديدة للوالد بسبب فسقه، والرغبة الغريزية في إزالته من الطريق لإشباع رغباتهم (الأوديبية)، يضاف إلى ذلك الشعور بالذنب تجاه هذه الرغبة المحظورة التي تمثل جوهر الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب.
ديمتري كارامازوف: التخدير العاطفي والتكفير عن الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب
يمثل ديمتري كارامازوف، الأخ الأكبر، النموذج الأكثر مباشرة للـ “الكارامازوفية” التي تحكمها العاطفة. لا يحاول ديمتري قمع أو ترشيد غرائزه، بل يعتنقها بالكامل ويعيش تحت رحمة العواصف الداخلية، مجسداً الصراع المباشر في الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب.
استراتيجية فرويد: المواد المسكرة (Intoxicating Substances)
في تصنيف فرويد لآليات تجنب الألم، يجسد ديمتري استراتيجية “المواد المسكرة”. لكن “تسمم” ديمتري ليس كيميائياً بالضرورة، بل هو إدمان على المشاعر القوية والدراما العاطفية. إنه يغمر نفسه في شغف محموم، وغيرة مدمرة، وتبذير متهور، ليصبح “مخموراً” بعواطفه. هذا الانغماس الشديد يجعله غير حساس لـ “بؤس” الواقع المحيط وضغوط المسؤولية، ويجنبه مواجهة عواقب أفعاله. بالنسبة لفرويد، هذا الاندفاع العاطفي هو طريقة لتجنب مواجهة الحقيقة: أن حياته فوضوية وخالية من المعنى الحقيقي الذي يتأصل في صراع الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب.
الليبيدو والعقاب الذاتي كجزء من الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب
إن صراع ديمتري مع والده على غروشينكا هو التعبير الأكثر وضوحاً عن عقدة أوديب في الرواية. إنه يتنافس مع الأب على المرأة (المتعلقة بالأم رمزياً)، ويصبح تجسيداً لرغبة قتل الأب المباشرة.
| آلية دفاع فرويدية | تجليها في ديمتري | الرغبة الكامنة |
| التخدير العاطفي | الإفراط في الشغف والتبذير | تجنب مواجهة حقيقة الفوضى |
| العقاب الذاتي | القبول بعقوبة النفي | التكفير اللاواعي عن الذنب |
ومع ذلك، فإن اندفاعات ديمتري المتهورة، ونوبات التبذير التي يرتكبها، يمكن تفسيرها أيضاً كشكل من أشكال العقاب الذاتي اللاواعي (Self-Punishment). يشير فرويد إلى أن دوستويفسكي نفسه كان يستخدم إدمانه على القمار كآلية للعقاب الذاتي بعد وفاة والده، كوسيلة للتكفير اللاواعي عن رغباته المكبوتة. وبالمثل، فإن ديمتري، من خلال فوضاه العاطفية، يُعرّض نفسه باستمرار للذل والفقر والعار، وهو ما يمثل تنفيذاً لوظيفة الأنا العليا (Superego) التي تعاقب الأنا على رغباتها المحظورة، ما يعكس ثقل الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب. لهذا، يقبل ديمتري في النهاية عقوبة النفي إلى سيبيريا عن جريمة لم يرتكبها مادياً، كـ كفارة نفسية عن الذنب الأعمق – ذنب رغبته اللاواعية في قتل أبيه.
إيفان كارامازوف: التسامي الفكري والجنون كنتيجة لـ الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب
يمثل إيفان كارامازوف الأخ الذي يحاول السيطرة على “الكارامازوفية” عبر القوة المطلقة للعقل. يحول طاقته الغريزية إلى عمل فكري مكثف وفلسفة مجردة، محاولاً الهروب من تأثير الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب.
استراتيجية فرويد: الإلهاءات القوية (Powerful Deflections)
يستخدم إيفان استراتيجية “الإلهاءات القوية”، أو التسامي (Sublimation). بدلاً من الانغماس الحسي (ديمتري) أو الكبت الديني (أليوشا)، يوجه إيفان طاقاته نحو بناء أنظمة فكرية وفلسفية. إن انشغاله بـ العدمية ووضع نظرية “كل شيء مباح” هو آلية دفاع تهدف إلى “الاستخفاف بالبؤس” وتجنب الألم الناتج عن عاطفته وشعوره بالانتماء لعائلة فاسدة. إنه يحاول أن يتجاوز صدمته وغرائزه عبر بناء جدار عازل من المنطق ضد الصراع الأساسي في الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب.
غريزة الموت (Thanatos) والانهيار في سياق الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب
فلسفة إيفان العدمية وخططه للانتحار في سن الثلاثين تعكس ما أسماه فرويد “غريزة الموت” (Thanatos)، وهي قوة موجهة نحو التدمير والعودة إلى حالة السكون. إن كراهية إيفان الذاتية العميقة ورغبته في تدمير نفسه تُبررها فلسفته.
“إن الجنون هو النتيجة النهائية لـ الكبت الفاشل؛ حيث تكسر الرغبات والذنوب المكبوتة جدار المنطق وتعود إلى الوعي في صورة ذهانية.”
لكن الآلية الدفاعية لإيفان تنهار بشكل مأساوي عندما تتحول أفكاره المجردة إلى واقع دموي. بعد مقتل والده، يدرك إيفان أن فكره لم يكن محايداً أو منفصلاً عن الجريمة؛ بل كان هو المحرض اللاواعي على الجريمة المحورية في الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب. تتجسد هذه الأزمة النفسية في هلوساته عن الشيطان، الذي يظهر كنسخة سخيفة ومبتذلة منه. هذا الشيطان ليس كياناً خارجياً، بل هو تجسيد لـ صوت الأنا العليا التي تقرر في النهاية أن ذنب إيفان الفكري لا يقل فظاعة عن ذنب القاتل الفعلي. إن الجنون هو النتيجة النهائية لـ الكبت الفاشل؛ حيث تكسر الرغبات والذنوب المكبوتة جدار المنطق وتعود إلى الوعي في صورة ذهانية.
سمردياكوف: الأنا المنفذة للرغبة اللاواعية في الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب
يمكن النظر إلى سمردياكوف، الخادم غير الشرعي والمصاب بالصرع، كـ امتداد نفسي لإيفان. بالنسبة للتحليل الفرويدي، يمثل سمردياكوف الجانب العصابي والمكبوت في دوستويفسكي نفسه (الذي كان مصاباً بالصرع). في سياق الرواية، يعمل سمردياكوف كـ الأنا (Ego) التنفيذية التي تترجم الأفكار والرغبات اللاواعية لـ إيفان (الهو أو الـ Id) إلى فعل مادي. إنه ينفذ حرفياً فلسفة “كل شيء مباح” لـ إيفان، معتقداً أنه يفهم سيده، بينما هو في الحقيقة ينفذ رغبة إيفان العميقة والمكبوتة في التخلص من الأب، وهي الرغبة التي لا يستطيع إيفان الواعي الاعتراف بها. وهكذا، يتحمل إيفان ذنب الجريمة ليس لأنه فكر فيها، بل لأنه تمنى حدوثها لا واعياً، مؤكداً المركزية الثيمية لـ الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب.
للإطلاع على رواية الإخوة كارمازوف لدوستويفسكي
أليوشا كارامازوف: الكبت الديني والفشل المخطط له في تفادي الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب
يمثل أليوشا كارامازوف الأخ الأصغر والـ “قديس” الظاهر، الذي يسعى للتغلب على “الكارامازوفية” عبر التفاني الروحي. إيمانه وتقواه هما، من منظور فرويدي، آليات دفاع معقدة ضد الصراع الموروث في الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب.
استراتيجية فرويد: الإشباعات البديلة (Substitutive Satisfactions)
ينتهج أليوشا استراتيجية “الإشباعات البديلة” من خلال الانضمام إلى الدير. حياته الرهبانية هي محاولة لـ “قتل الغرائز” الكارامازوفية التي يخشى أن تكون كامنة فيه. إنه يوجه دوافعه العدوانية الأوديبية تجاه والده والشهوانية الموروثة إلى الداخل، في شكل من أشكال الزهد والعقاب الذاتي، وبالتالي يصبح إيمانه “تكوين رد فعل” (Reaction Formation) يحاول عبره أن يتبنى نقيض ما يخشاه في داخله، وهو ما يذكر بالصراع الضمني لـ الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب.
المصير غير المكتمل الذي يخدم ثيمة الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب
الدليل الأكثر إثارة للصدمة على أن إيمان أليوشا هو كبت فاشل وليس حلاً كاملاً يأتي من ملاحظات دوستويفسكي نفسه. كان الكاتب يخطط لجزء ثانٍ للرواية (لم يُكتب) حيث يترك أليوشا الدير ويرتكب جريمة سياسية باغتيال القيصر.
القيصر، في السياق الروسي، هو “الأب الوطني” أو الأب الرمزي الأكبر للأمة. إن خطط أليوشا لاغتيال القيصر تُشير إلى انفجار نهائي وقوي لـ غريزة قتل الأب (Parricide) المكبوتة. هذا الفعل العنيف على المستوى الوطني يكشف أن التقوى الظاهرية كانت مجرد قناع أو “عصاب” (Neurosis) روحي، وأن “الكارامازوفية” لم تُقتل حقاً، بل كُبتت مؤقتاً قبل أن تنفجر بعواقب مدمرة على المجتمع، مؤكدة أن حتى “القديس” لم ينجُ من لعنة الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب.
للإطلاع على رواية الجريمة والعقاب لدوستوفيسكي
قراءة فرويدية لـ الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب
في الختام، يوضح التحليل النفسي الفرويدي أن “الإخوة كارامازوف” ليست مجرد دراما فلسفية، بل هي تشريح دقيق ومعقد لعمليات العقل اللاواعي. يمثل كل أخ جهداً يائساً، لكنه فاشل في النهاية، للتعامل مع الإرث المزدوج: الليبيدو الجامح لـ “الكارامازوفية”، وعبء الذنب الناتج عن الرغبة في قتل الأب، وهي الثيمة الرئيسية التي تتجسد في الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب.
بينما استخدم ديمتري اللذة والتخدير، ولجأ إيفان إلى العقل والتسامي، وحاول أليوشا الهروب إلى الإيمان والكبت، أثبتت الرواية أن هذه الآليات الدفاعية كلها انهارت أمام قوة الحقيقة الداخلية. إن العبقرية الخالدة لدوستويفسكي تكمن في أنه أدرك، قبل فرويد، أن الإنسان ليس كائناً عقلانياً يتحكم في مصيره بالكامل، بل هو ضحية عميقة لغرائزه المكبوتة وصراعاته اللاواعية التي تتجسد في النهاية في أعظم أعماله أو أسوأ جرائمه، وهو ما يكشفه التحليل العميق لـ الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب.
المراجع:
- https://gradesfixer.com/free-essay-examples/nature-of-crime-in-the-brothers-karamazov/
- https://thelondonmagazine.org/essay-reflections-on-the-brothers-karamazov-by-patrick-maxwell/
- https://artsone.arts.ubc.ca/student-journal/the-karamazov-brothers-and-their-discontents/
- https://anunexpectedjournal.com/the-brothers-karamazov-and-the-existential-problem-of-atheism/







