المانوية (Manichaeism): دين النور والظلمة

تعد المانوية (Manichaeism) واحدة من أهم الديانات العالمية القديمة التي ظهرت في القرن الثالث الميلادي، ورغم انقراضها كممارسة دينية منظمة إلا أن تأثيرها استمر لقرون طويلة. أسسها النبي الفارسي ماني (216-274م) في الإمبراطورية الساسانية، وقدمت رؤية كونية ثنائية معقدة تركز على الصراع الأزلي بين قوى النور والظلمة. تميزت المانوية بقدرتها على الانتشار السريع عبر حضارات مختلفة من الصين إلى روما، مما جعلها لفترة وجيزة منافساً رئيسياً للمسيحية المبكرة. في هذا المقال، سنستعرض الجذور التاريخية للديانة المانوية، وعقائدها الأساسية، وانتشارها الجغرافي، وأسباب انحسارها، وإرثها الفكري والديني الذي بقي مؤثراً حتى بعد اختفائها.

للإطلاع على تاريخ مفصل وكامل للغنوصية

الجذور التاريخية وأصول النشأة

ظهرت المانوية في فترة تاريخية تميزت بالتنوع الديني والثقافي في بلاد ما بين النهرين. وُلد مؤسس الديانة، ماني، في عام 216م في طيسفون (المدائن الحالية في العراق) أو بالقرب منها في الإمبراطورية الفرثية. وفقاً للمخطوطات التاريخية، كان والدا ماني من أفراد الطائفة الألكسية، وهي طائفة مسيحية يهودية غنوصية .

بدأ ماني يتلقى الوحي في سن مبكرة، حيث ادعى أن روحاً سماوية تُعرف باسم “التوءم” أو “السيزيغوس” (القرين) قد زارته عندما كان في الثانية عشرة ثم في الرابعة والعشرين من عمره. هذا “التوأم” السماوي قاده إلى تحقيق الذات وعلمه الحكمة التي طورها لاحقاً إلى دين منظم. ادعى ماني أن هذا الوحي جعله “بارقليط الحقيقة” الذي وعد به يسوع في العهد الجديد، كما أعلن نفسه “رسولاً ليسوع المسيح” .

سعى ماني منذ البداية إلى إنشاء دين عالمي يجمع بين أفضل عناصر الديانات القائمة ويتجاوز قيودها. ألف سبعة أعمال رئيسية، ستة منها كتبت باللغة السريانية الآرامية، بينما كتب العمل السابع “الشابورغان” باللغة الفارسية الوسطى وأهداه إلى الإمبراطور الساساني شابور الأول . حظي ماني بدعم الحكام الساسانيين في البداية، ولكن مع تغير الأوضاع السياسية، تعرض للاضطهاد من قبل الإمبراطور بهرام الأول، حيث تقول الروايات التاريخية إنه مات في السجن منتظراً الإعدام ما بين عامي 276-277م .

 العقائد والأفكار الأساسية في المانوية

تقوم المانوية على رؤية كونية ثنائية radical dualism تعتبر الصراع بين مبدأين أزليين هما النور (الخير) والظلمة (الشر). يُمثل عالم النور الروحاني والعقل، بينما يُمثل عالم الظلمة المادة والجهل. وفقاً للعقيدة المانوية، فإن عملية الخلاص الكوني تتضمن إزالة جزيئات النور المحتجزة في عالم المادة وإعادتها إلى عالم النور الأصلي .

  •  الثنائية الكونية

تبدأ القصة الكونية في المانوية بوجود عالمين منفصلين: عالم النور في الشمال والشرق، وعالم الظلمة في الجنوب والغرب. كان كل عالم معزولاً عن الآخر في البداية، لكن الظلمة هاجمت عالم النور مما أدى إلى اختلاط جزئي بينهما. استجابة لهذا الهجوم، استدعى إله النور “الأب العظيم” العديد من الكائنات الإلهية، بما في ذلك “الإنسان الأول” و”الأم الحية” لمواجهة قوى الظلمة .

  •  مفهوم الخلاص والأخلاق

يتمحور الخلاص في المانوية حول تحرير جزيئات النور المحتجزة في العالم المادي، خاصة في البشر. وقد مثل يسوع المتألم (Jesus Patibilis) في العقيدة المانوية معاناة جزيئات النور المنتشرة في العالم المادي، حيث كان الصليب الرمزي حاضراً في “كل شجرة، وعشب، وفاكهة، وخضروات، وحتى الأحجار والتربة” . لهذا التصور آثار أخلاقية مهمة، حيث يلتزم المانويون بوصايا صارمة تشمل:

– الامتناع عن أكل اللحوم وشرب الخمر 

– تحريم الممارسة الجنسية والتخلي عن الزواج والإنجاب 

– الامتناع عن إيذاء النباتات والحيوانات واجتناب اجتثاث أي نبات أو قتل أي حيوان 

– الصلاة عدة مرات في اليوم والالتزام بفترات الصيام 

للإطلاع على تاريخ إبليس في الأديان

التسلسل النبوي

قدمت المانوية نفسها كخاتمة للديانات السابقة، حيث اعتبرت ماني النبي الأخير بعد سلسلة من الأنبياء شملت زرادشت، وبوذا، ويسوع. رأى ماني أن تعاليم هؤلاء الأنبياء كانت ناقصة، بينما جاءت المانوية لتجمع وتكمل هذه التعاليم .

تؤمن المانوية بتسلسل نبوي تقدمي، حيث تجلى الوحي الإلهي عبر تاريخ البشرية في سلسلة من الأنبياء العظام، كان لكل منهم دوره المحدد في تهيئة العالم لظهور الدين الكامل. فجاء زرادشت في بلاد فارس كنبي مبشر بالحقيقة، وأتى بوذا في الهند نبيًا للحكمة الروحية، بينما مثل يسوع في الشرق الأوسط نبيًا للنور والمعرفة. وأخيرًا، جاء ماني في الإمبراطورية الساسانية ليكون النبي الخاتم والبارقليط (المعزي) الذي وعد به يسوع، جامعًا في دينه العالمي – المانوية – بين حقائق هذه الشرائع جميعًا في نظام ديني موحد ومتكامل. وقد رأى ماني أن رسالته تمثل اكتمالًا وتصحيحًا للرسالات السابقة، مما جعل من المانوية دينًا توفيقياً فريدًا استطاع الاستفادة من الرموز والمفاهيم الدينية السائدة في انتشاره الواسع عبر الحضارات.

للإطلاع على تاريخ الهرمسية

الانتشار الجغرافي والتاريخي للمانوية

انتشرت المانوية بسرعة مذهلة خلال القرون الثلاثة الأولى بعد ظهورها، مستفيدة من موقعها عند تقاطع طرق التجارة العالمية والتبادل الثقافي. يمكن تتبع مسار انتشار المانوية عبر ثلاث مراحل رئيسية:

  1. الانتشار نحو الإمبراطورية الرومانية

وصلت المانوية إلى الإمبراطورية الرومانية في القرن الثالث الميلادي، حيث انتشرت بسرعة بين النخب المثقفة. لكنها واجهت اضطهاداً من الدولة الرومانية التي رأت فيها تهديداً للنظام الاجتماعي والديني القائم. تعرض أتباع المانوية للقمع والملاحقة، وتم القضاء عليها في النهاية في الإمبراطورية الرومانية بحلول القرن السادس الميلادي .

  1.  الانتشار نحو آسيا الوسطى والصين

كانت رحلة المانوية نحو الشرق أكثر نجاحاً واستدامة. وفقاً للمصادر التاريخية، دخلت المانوية الصين حوالي عام 694م، على الرغم من أن بعض المؤرخين يشيرون إلى أنها ربما وصلت أسبق من ذلك . تميزت المانوية الصينية بعملية تكيف عميقة مع السياق الثقافي الصيني، حيث تم تفسير ماني على أنه تجسيد لـ “لاوتزو” مؤسس الطاوية .

بلغت المانوية ذروة تأثيرها في آسيا عندما أصبحت الديانة الرسمية لخاقانية الأويغور في عام 763م، بعد أن اعتنقها الخاقان بوجو (Bögü Qaghan) . سمحت هذه المكانة الرسمية للديانة المانوية بالانتشار بسرعة في شمال الصين، حيث بنى الأويغور الأديرة في مدن رئيسية مثل شيان، ويانغتشو، ونانجينغ .

الاضطهاد والانحسار

شكل انهيار خاقانية الأويغور في عام 840م ضربة قاسية للديانة المانوية. تبع ذلك اضطهاد متعصب من قبل إمبراطورية تانغ، حيث أمر الإمبراطور ووزونغ (Wuzong) بمصادرة ممتلكات الأديرة المانوية، وإحراق الكتب المقدسة، وإعدام الراهبات . استمرت المانوية في العمل السري خلال عهد سونغ، وعرفت انتعاشاً مؤقتاً خلال عهد يوان المغولية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، لكنها حظرت لاحقاً من قبل الأباطرة الصينيين . لقد مرت الديانة المانوية بمراحل تاريخية متعددة، من النشأة في قلب الإمبراطورية الساسانية إلى الانتشار الواسع وانتهاءً بالانحسار والاختفاء التدريجي. 

المراحل التاريخية للديانة المانوية

شهد القرن الثالث والرابع الميلادي ميلاد الديانة المانوية وانتشارها الأولي ضمن الإمبراطورية الساسانية. وُلد النبي ماني، مؤسس الديانة، عام 216م في طيسفون (المدائن حاليًا في العراق) أو بالقرب منها . حظي ماني بدعم الحاكم الساساني شابور الأول في البداية، مما سمح للدين الجديد بالانتشار، لكنه لاقى معارضة من الكهنة الزرادشتيين وأُعدم في عهد الملك بهرام الأول ما بين عامي 276-277م .

للإطلاع على  النبي ماني وفلسفته 

انتقلت المانوية غربًا إلى الإمبراطورية الرومانية خلال القرن الرابع إلى السادس الميلادي، حيث واجهت مصيرًا مختلفًا. أصبحت المانوية لفترة وجيزة منافسًا رئيسيًا للمسيحية المبكرة، لكنها تعرضت لاضطهاد منهجي من الدولة الرومانية وتم القضاء عليها في نهاية المطاف في الإمبراطورية الرومانية .

بينما كانت المانوية تختفي من الغرب، كانت تدخل عصرها الذهبي في الشرق. خلال القرن السابع إلى التاسع الميلادي، انتشرت المانوية وازدهرت في آسيا الوسطى والصين . وفقًا للمصادر، دخلت المانوية الصين حوالي عام 694م . بلغت ذروة تأثيرها عندما أصبحت الديانة الرسمية لخاقانية الأويغور بعد أن اعتنقها الخاقان بوجو (Bögü Qaghan) في عام 763م . سمح السلام بين الأويغور والصينيون لمانوية الصين بالازدهار، حيث بنيت الأديرة في مدن صينية رئيسية .

شهد القرن التاسع والعاشر الميلادي مرحلة من الاستمرار المحدود للديانة في أراضي الخلافة العباسية. كانت الديانة لا تزال موجودة في غرب آسيا خلال هذه الفترة رغم انهيار مركزها الرئيسي في خاقانية الأويغور عام 840م .

للإطلاع على  مخطوطات نجع حمادي: إعادة تشكيل فهم المسيحية المبكرة والغنوصية 

أخيرًا، خلال القرن العاشر إلى الرابع عشر الميلادي، دخلت المانوية مرحلة الاضطهاد والاختفاء التدريجي في الصين . بعد سقوط خاقانية الأويغور، شنّ الإمبراطور ووزونغ (Wuzong) اضطهادًا عنيفًا على الأديان الأجنبية عام 843م، استهدف المانوية بشكل خاص . استمرت المانوية في العمل السري والمقاومة خلال عهدي سونغ ويوان، حيث شهدت انتعاشًا مؤقتًا تحت حكم المغول . إلا أنها حُظرت لاحقًا واندمجت في النهاية مع البوذية والطاوية، مما مثل نهاية وجودها كديانة منظمة .

إرث المانوية وتأثيرها على الحركات اللاحقة

رغم اختفاء المانوية كدين منظم بعد القرن الرابع عشر، إلا أن إرثها الفكري والديني استمر في التأثير على حركات دينية وفكرية لاحقة. يشير الباحثون إلى أن المانوية ربما أثرت على حركات أوروبية لاحقة مثل البيلكانيون (Paulicianism) والبوغوميل (Bogomilism) والكاثار (Catharism) الذين تبنوا رؤى ثنائية مشابهة .

في الصين، اندمجت المانوية تدريجياً مع البوذية والطاوية، وأصبحت ممارساتها غير قابلة للتمييز عن الممارسات البوذية في النهاية . ولا يزال معبد كاوان (Cao’an) في جينجيانغ، فوجيان قائماً حتى اليوم كشاهد على الوجود الطويل للديانة المانوية في الصين، حيث يتم عبادة تمثال لـ “بوذا النور” الذي يعتقد أنه يمثل النبي ماني .

استمرت بعض التقاليد المانوية في المناطق الصينية مثل تشيانكو (Qianku)، حيث لا يزال السكان يأكلون طعاماً نباتياً في اليومين الأول والخامس عشر من كل شهر قمري، ويحرقون البخور، ويتجنبون استخدام الروث أو البول كسماد في هذه الأيام . كما استمر تبجيل الشمس والقمر، اللذين يطلق عليهما اسم “بوذا الشمس” و”بوذا القمر” بين السكان المحليين، وهو ما يعكس المعتقد المانوي الأساسي بقدسية النور .

تشكل المانوية نموذجاً فريداً للديانة العالمية التي سعت إلى تجاوز الحدود الثقافية والدينية في عصرها. قدمت رؤية ثنائية جذرية للكون تركز على الصراع بين النور والظلمة، وطورت نظاماً أخلاقياً صارماً يدعم عملية الخلاص الكوني.  كانت المانوية واحدة من أكثر الديانات انتشاراً في العالم لعدة قرون، وتركت إرثاً فكرياً ودينياً استمر في التأثير بعد اختفائها الرسمي.

تمثل دراسة المانوية اليوم ليس فقط استعادة لصفحة مهمة من تاريخ الأديان، ولكنها أيضاً تأمل في ظاهرة التبادل الثقافي والديالوج بين الحضارات. تذكرنا المانوية بقدرة الأفكار الدينية على الانتقال عبر الحدود والثقافات، والتكيف مع سياقات جديدة، والاستمرار في التأثير حتى بعد زوال المؤسسات التي حملتها. تبقى المانوية شاهدة على تعقيد التاريخ الديني للإنسانية وتنوعه الغني.

 

  • Related Posts

    استخدام الكربون المشع في كشف الآثار المصرية القديمة

    لطالما اعتمد التسلسل الزمني التاريخي المصري (EHCs) على مصادر نسبية مستمدة من القوائم الملكية، والسجلات النصية، والتسلسلات الجينية، وبعض الملاحظات الفلكية القديمة.1 توفر هذه المصادر إطارًا تسلسليًا (relative chronology) وتحديدًا…

    علم الفلك الإثني (Ethnoastronomy): النطاق المنهجي والتطبيقات الكونية

    يُعرّف علم الفلك الإثني (Ethnoastronomy) بأنه فرع بحثي متعدد التخصصات يدمج بين عناصر من علم الفلك والتاريخ وعلم الأعراق (Ethnology) أو الأنثروبولوجيا.1 يتمحور هذا المجال حول دراسة المعتقدات والممارسات الفلكية…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    ماذا لو كانت رواية دوستويفسكي ناطحة سحاب؟

    • 78 views
    ماذا لو كانت رواية دوستويفسكي ناطحة سحاب؟

     الهندسة الأدبية: كيف نبني قصة؟ رواية ليالٍ بيضاء

    • 105 views
     الهندسة الأدبية: كيف نبني قصة؟ رواية ليالٍ بيضاء

    أركان المذهب الوجودي لدوستويفسكي ومنظومته الفلسفية

    • 162 views
    أركان المذهب الوجودي لدوستويفسكي ومنظومته الفلسفية

     أربع أفكار صادمة من رواية الإخوة كارامازوف

    • 149 views
     أربع أفكار صادمة من رواية الإخوة كارامازوف

    طبيعة الجريمة والذنب والمسؤولية في الإخوة كارامازوف

    • 122 views
    طبيعة الجريمة والذنب والمسؤولية في الإخوة كارامازوف

    الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب

    • 130 views
    الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب