في سياق النشأة والسيرة التاريخية، يعد النبي ماني وفلسفته انعكاساً لقصة حياة هذا المفكر وتأثيرات عصره. وُلِد ماني عام 216م في قرية ماديريوس قرب بابل (العراق حالياً) ونشأ في بيت زرادشتي متدين، حيث كان والده فاتيخ من الصابئة المنزويين الذين يحظرون التعامل مع النساء. عاش ماني طفولةً منعزلة عن والدته وتربى في جوٍّ روحاني صارم تعلّم فيه الصبر والزهد. لكن النفس المتمردة داخله قادته بعد الحادية والعشرين إلى ترك ديانته الصابئية والانضمام إلى التيار المسيحي الغنوصي، حتى تلقى في سن الرابعة والعشرين إعلان النبوة من الله عن طريق الملاك «توما».
تجلى دور النبي ماني وفلسفته بشكل واضح حين أعلن ماني رسالته الجديدة باسم «نبي النور» و«المنير العظيم» شرع بعد ذلك في التبشير بدينٍ جديد (المانوية) يجمع بين عناصر متفرقة من الديانات المعروفة، مستعيناً بترجمة أفكاره إلى اللغات المحلية. حظي بدعم الملك الساساني شابور الأول الذي سمح له بدعوة الناس إلى عبادته بحرية. إلا أن كهنوت الزرادشتية احتد ضده في البلاط الفارسي، فتُهم بالزندقة وأُعتقل. وفي نهاية المطاف قُيّد وسُجن وعُذّب حتى أُعدم عام 276م في جنديسابور.
الخلفية الثقافية والدينية التي ظهر فيها النبي ماني وفلسفته
نشأ النبي ماني وفلسفته في بيئة ثقافية ودينية معقدة ومتعددة. كان القرن الثالث الميلادي في بلاد ما بين النهرين (إيران/العراق اليوم) حقبة التوفيق الديني (Syncretism)، حيث كانت الزرادشتية دين الدولة الرسمي في الإمبراطورية الفارسية بينما كانت المسيحية الغنوصية والصابئة (المندائية) والديانات الهندية (البوذية والجينيات) تتنافس في جنوب العراق. وفي هذا المناخ التنوّعي ازدهرت الفلسفة الهلنستية والغنوصية التي مزجت الفلسفة الأفلاطونية بالعقائد الشرقية. وقد عاش ماني في هذا الجو الفلسفي المزدوج، وقال عنه بنفسه: «عاش في العصر التوفيقي وانتشار الفلسفة الهلنستية والغنوصية في الجمع بين العقائد، فحاول جمع خلاصات الأديان» ولهذا امتزج في فكر ماني تراث ديني متشعّب، مزيج من الثقافة البابلية القديمة والديانات المسيحية الغنوصية والبوذية والزرادشتية.
الأسس الفلسفية والعقائدية التي قامت عليها فلسفة النبي ماني وفلسفته
قوم فلسفة النبي ماني وفلسفته على ثنائية جوهرية أولها أن الكون نتاج صراع أبدي بين قوتين ضديتين. فقد رأى ماني أن الصراع بين الإله الخالق وقوى الشر لا يمكن حله إلا بفكرة مزدوجة؛ فصرّح بأن «لا يوجد إله واحد إنما هو صراع مستمر بين اثنين… الخير والشر توأمان وجدا معاً ليتصارعا معاً إلى الأبد». هذا المعنى القائم على ثنائية النور والظلمة ورثه من الزرادشتية القديمة، فخلاصة المانوية اختلطت فيها تراث الشرّ الثنائي الزرادشتي مع الغنوصية المسيحية التي تكرّم «معرفة» الخلاص. وعليه فقد اعتُبر في ميثولوجيا ماني أن الكون بدأ بنورٍ خالص يدعوه «الأب» وعالم ظلمة يدعونه «الأم»، وأنهما أنتجا «الإنسان القديم» (الابن)، وعند ظهور هذا الابن ظهرت له صفة المخلص (الابن الحنون) ليفدي النور في جسده بعدما انتصر على الظلام بمعاناته. وجاء في تعاليم المانوية أن هدف الحياة هو تحرير «روح الإنسان» (النور الإلهي) من سجن المادة المظلمة التي يأسرها بها جسد الإنسان.
تعاليمه حول النور والظلمة، الروح والمادة
في تعاليم النبي ماني وفلسفته يبرز بوضوح تأكيد ثنائية النور والظلمة كصراع كوني وعملية خلاصية داخل الإنسان. فقد كان يرى أن الأساس هو وجود عالمين أوليين (النور والظلمة) اختلطا فجأة، فأسر جسيمات النور داخل عالم الظلمات المادي. ومن ثم جاءت شرائع ماني تدعو إلى تنقية الروح من تأثير المادة: ففرض الصوم والصلاة المتكررة، وحرَّم الأطعمة الدسمة (كاللحم) والمشروبات الكحولية التي تنمّي شهوات الجسد. كما حظر الزواج والتناسل تمامًا، لأن أي إنجاب يعني إضافة أجساد جديدة (مصادر إضافية للظلمة) ومن ثَمَّ شجّع على الزهد المطلق والرهبنة لأن «الجسد ورغباته شرّ» كما تقول كتاباتُ المانوية، ولأن تحرير الروح يتطلب كف تقاليد الجسد المادية، حتى ترتفع إلى عالم النور بالمعرفة والتوبة.
للإطلاع على الغنوصية الفالنتينية: نظام لاهوتي غنوصي متكامل
تأثير الزرادشتية والمسيحية والبوذية على فلسفة النبي ماني وفلسفته
يُظهر فكر النبي ماني وفلسفته مدى الانصهار بين عناصر دينية وفلسفية متعددة. فقد كانت المانوية خليطًا من تعاليم البوذية والمسيحية والزرادشتية. فقد ورث مبدأ ثنوية الخير والشر من الزرادشتية، ومفاهيم الفداء والخلاص بالمعرفة من الغنوصية المسيحية، وأثر في طقوسه الجوانب الأخلاقية الصارمة المشابهة لبعض مبادئ الزهد لدى البوذية. وفي كتاباته الخاصة مدح ماني أن بوذا وزرادشت ويسوع هم أسلاف دعوته، وكتب «إنجيل ماني» الذي أراده مصاحبًا لإنجيل المسيح. كما اعتبر أن الكتب السماوية الأصلية قد حُرِّفت وأن رسالته جاءت لتصحيحها، فاعتبر دعوته امتدادًا ختاميًا لسلسلة الرسل بدءًا بآدم وزرادشت ويسوع.
انتشار الديانة المانوية وأسباب توسعها ثم أفولها
امتدّت تعاليم النبي ماني وفلسفته سريعًا خارج مهدها الأصلي. ففي أقل من قرن انتشرت الديانة المانوية غربًا إلى بلاد الرومان (إسبانيا وبلاد الغال وشمال أفريقيا) وشرقا إلى الصين وما وراءها. وقد ازدهرت المانوية بين القرنين الثالث والسابع الميلاديين حتى أصبحت أحد أكبر الأديان المنافسة للمسيحية والزرادشتية في ذلك الوقت. ولم تخلُ فترة توسعها من صراعات؛ إذ اضطهدها المعتقد الزرادشتي في فارس والكنيسة المسيحية في الإمبراطورية البيزنطية لاعتبارها هرطقة. وقد أثَّر انتشار الإسلام لاحقاً في القرن السابع في العالم الساساني بشكل دراماتيكي على المانوية؛ فقد ضعفت معالمها تدريجياً بعدما عُدّت ديانة قديمة تم حظرها لارتباطها بالزرادشتية. وفي آسيا الوسطى والصين أخيراً، حُظرت المانوية تحت حكم التانغ ثم اندمجت بعض معتنقيها في البوذية والطاوية، وبقيت آثارها متناثرة في معابد منسية.
للإطلاع على المانوية (Manichaeism): دين النور والظلمة
موقف الأديان السماوية من النبي ماني وفلسفته
لم تحظَ النبي ماني وفلسفته بقبول من الأديان الإبراهيمية التقليدية. فقد اعتبرها اللاهوت المسيحي تحريفًا للإنجيل وهرطقةً مخالفةً لتعاليم التوحيد، فوصمت المانوية في كتب الكنيسة بالضلال. وبدورها رآى علماء الإسلام أن أصول المانوية ترجع إلى المجوسية الزرادشتية وهو مذهبٌ ذو مبادئ تتناقض مع أصول العقيدة الإسلامية. أطلق المسلمون على أتباع ماني لقب «الزندقة» (وهي كلمة فارسية تعني المرتدين) للدلالة على اتباعهم لمعتقد هرطوقي مخالف. ولا توجد إشارات خاصة للمانوية في التراث اليهودي الصهيوني القديم، فلا يسجل التاريخ اليهودي تفاعلًا مباشرًا مع دعوة ماني.
أثر فلسفة النبي ماني وفلسفته على الفكر الديني والفلسفي لاحقاً
لم ينحصر أثر النبي ماني وفلسفته في القرون الأولى فحسب، بل امتد إلى الحركات الفكرية الدينية اللاحقة. فقد تبنّى بعض التيارات الثنائية في أوروبا الشرقية وشمال إفريقيا أبعاداً مقاربة للمانوية؛ من ذلك الحركات البولكانية (Paulicians) في المشرق الأرميني والبوغوميلية والكاثارية في أوروبا الوسيطة، التي تشترك معها في مبدأ النور والظلمة والخلاص بالمعرفة. وفي آسيا لاحقًا انتعش التأثر المانوي لفترة قصيرة في فترة المغول (سلالة يوان) وفي التبت واليابان عبر الرهبان الرحّالة. كما وُثّق بقاء بعض المعابد المانوية التاريخية في الصين. ويستمر الباحثون في دراسة النبي ماني وفلسفته حتى اليوم، باعتبارها أحد أمثلة الفكر الغنوصي العالمي وتأثيره على الصوفية والأديان العُرفانية اللاحقة.








