تُعد قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي (1868-1932م) “العلم والتعليم وواجب المعلم”، التي مطلعها “قُم للمعلِّم وفِّه التبجيلا”، نصاً تأسيسياً في أدب النهضة العربي الحديث. تتجاوز القصيدة حدود الشعر التعليمي العادي لتصبح بياناً وطنياً واجتماعياً وفلسفياً شاملاً. إن دراسة هذه القصيدة تتطلب وضعها في سياقها التاريخي الدقيق لفهم عمق رسالتها، خصوصاً في ظل الاحتلال البريطاني لمصر، الذي استهدف تدمير البنية التعليمية والثقافية للأمة.
I.1. شوقي والتحول نحو القضايا الوطنية
يمثل نتاج شوقي في مرحلة ما بعد النفي، خاصة بعد عودته من الأندلس، تحولاً جوهرياً نحو القضايا الوطنية والاجتماعية التي تلامس هموم الجماهير، مبتعداً عن قصائد المدح التقليدية للبلاط. في هذه المرحلة، أصبح شوقي لسان حال الأمة، يناصر العلم والتحرير كأداتين رئيسيتين للنهوض. إن مكانة القصيدة، التي غدت أشهر نص عربي في تمجيد رسالة المعلم، ليست وليدة الصدفة، بل نابعة من تضافر الإحساس الوطني مع ضرورة الإصلاح التربوي.
I.2. الخلفية التاريخية والتعليم تحت الاحتلال
كان التعليم في مصر، مع مطلع القرن العشرين، رهينة لسياسات الاحتلال البريطاني، التي صممها اللورد كرومر، المعتمد البريطاني. عُهد بإدارة التعليم إلى روبرت دنلوب (Robert Dunlop) في عام 1897م، حيث أصبحت نظارة المعارف تحت إشراف بريطاني مباشر.1 كانت سياسة دنلوب تهدف إلى تحقيق عدة أسس استعمارية، أهمها: نجلزة الإدارة المصرية، والتقتير الشديد في الإنفاق على تعليم المصريين، وحصر غرض التعليم في إعداد الموظفين القادرين على خدمة أغراض الاحتلال.1
لقد أدت هذه السياسة إلى إضعاف التعليم المصري والروح الوطنية، حيث أصبح التعليم، كما يشير التحليل، “خادمة حقيرة مهينة لا تصلح لشيء سوى القيام بشؤون مطبخ الاحتلال”.1 في هذا المناخ، أصبح إصلاح التعليم مرادفاً للمقاومة الوطنية. لذلك، لم يكن اختيار شوقي لإلقاء قصيدته في نادي مدرسة المعلمين العليا عفوياً.2 إن توجيه الخطاب إلى نخبة المعلمين وقادة الفكر في هذا النادي يؤكد أن شوقي كان يسعى لتحريك الرأس المفكر في جسد التعليم، وتحفيز القادة الذين يحملون “عبء الأمانة فادحاً مسئولا” 3 على مقاومة سياسات دنلوب. القصيدة، بهذا المعنى، لم تكن مجرد إشادة، بل كانت بياناً تحفيزياً موجهاً إلى الصفوة لإعادة تأكيد دورهم كحماة للوعي الوطني.2
II. التبجيل الرسالي والمؤسسة الكونية للعلم
يبدأ شوقي قصيدته بتمجيد مطلق للمعلم، مستخدماً لغة الأمر الوجوبي، ثم يرفع مكانته إلى أقصى درجة ممكنة في الوعي البشري بعد النبوة.
II.1. المنزلة الروحية للمعلم (رسولاً وبانياً)
يُعتبر مطلع القصيدة هو الأكثر رسوخاً في الذاكرة العربية: “قُم للمعلِّم وفِّه التبجيلا كاد المعلِّمُ أن يكون رسولا”. إن استخدام الفعل “كاد” يفيد المقاربة والمشابهة، مما يضع المعلم في أعلى درجات التسلسل الهرمي البشري، موازياً لعمل الرسل في نقل الرسالة وتوجيه البشر.
يؤكد شوقي هذا التبجيل بوصف المعلم بأنه الشريف الأجل الذي يتفرد بمهمة الخلق المعنوي: “أعلِمتَ أشرَفَ أو أجلَّ مِن الذي يبني ويُنشِئ أنفُسًا وعقولا”. هنا، يتحول المعلم من مجرد ناقل للمعلومات إلى “مهندس بشري” أو باني للكيان الإنساني، يتولى تشكيل الروح والذهن معاً.4 هذه النظرة ترفع وظيفة التعليم فوق الوظائف المادية، وتعيد تعريفها كرسالة بناء حضاري شامل.
II.2. الله كمصدر للعلم والقداسة
ينتقل شوقي لتأصيل مصدر العلم، رابطاً المعلم البشري بالمرجعية الإلهية العليا: “سبحانك اللهم خيرَ مُعلِّمٍ علَّمتَ بالقلمِ القرونَ الأُولى”. هذا الربط يمنح مهمة التعليم قداسة أزلية، ويربطها بالمنهج الإلهي القائم على القلم والكتابة.
ثم يصور شوقي دور العلم في تحرير العقل البشري، الذي أخرجه الله “من ظلماتِهِ وهديتَه النورَ المُبينَ سبيلا”.4 هذا التصوير البلاغي يكرس رؤية فلسفية إسلامية مفادها أن العلم هو الوسيلة الحصرية لإنارة العقل، وهو ما يتناقض جذرياً مع سياسات دنلوب التي سعت لإبقاء العقول في ظلام الجهل الوظيفي. كما يصف شوقي جهد المعلم في تقويم وتشكيل هذا العقل، باستخدام استعارة الصياغة المعدنية: “وطبعتَه بيدِ المعلِّم تارةً صَدِئَ الحديدِ وتارةً مصقولا”.5 هذه الصورة تمثيل بليغ للدور الشاق والمستمر للمعلم في تحويل المادة الخام (الحديد الصدئ) إلى كيان نافع ومصقول.
II.3. الأنبياء كقادة تربويي
لتأكيد الصفة الكونية لرسالة المعلم، يستحضر شوقي الأنبياء الرئيسيين في الديانات الإبراهيمية كأول معلمين ومصلحين 6:
- موسى مرشداً أُرسل بالتوراة.
- ابن البتول (عيسى) الذي علَّم الإنجيل.
- محمد، الذي فجَّر “ينبوعَ البيان” فسقى “الحديثَ وناولَ التنزيلا”.
تُعد استعارة “ينبوع البيان” في وصف النبي محمد صورة بيانية عميقة، حيث يُشبه النبي بالينبوع المتدفق الذي لا ينضب، والذي يروي الأرض القاحلة.7 إنه يفيض بالبلاغة والمعرفة، ناقلاً الحديث الشريف والتنزيل الإلهي (القرآن الكريم).7 هذا الاستعراض التاريخي يرسخ فكرة أن التعليم ليس مجرد مهنة، بل هو سلسلة متصلة من الإرشاد الإلهي والبشري، وأن المعلم جزء من هذا التقليد الكوني.
للإطلاع على قصيدة نهج البردة لأحمد شوقي
III. النقد الحضاري والتشخيص السياسي لعلل الأمة
بعد ترسيخ المكانة الرسالية للمعلم، ينتقل شوقي إلى نقد الواقع المصري والعربي المتخلف، رابطاً تراجع الأمة بفقدانها قيمة المعلم.
III.1. من مجد “يونان ومصر” إلى حال “الطفولة”
يضرب شوقي مثلاً بتراجع أمم كانت مصادر للإشعاع المعرفي: “علَّمتَ يونانًا ومصرَ فزالتا عن كلِّ شمسٍ ما تُريدُ أُفولا”.3 أي أن مصر واليونان كانتا مركزاً حضارياً لا تعرف شمسهما الأفول. ولكن الواقع المرير هو أن هاتين الأمتين أصبحتا “بحالِ طُفولةٍ في العلم تلتمسانِه تطفيلا”.3
يشير وصف مصر بأنها تلتمس العلم “تطفيلاً” إلى حالة التبعية الفكرية والهشاشة العلمية. فبدلاً من أن تكون مصر مصدراً للعلم، أصبحت متطفلة عليه، تستجديه من الغرب، وهو نقد لاذع يرفض القبول بالوضع الراهن كدولة تابعة فكرياً. ويُقابل هذا التراجع بـ “تظاهر الشموس” من “مشرق الأرض”، وهي إشارة ضمنية إلى دول مثل اليابان التي نجحت في تحقيق نهضتها التعليمية والتقنية دون الخضوع للهيمنة الغربية، مما يضع تخلف مصر في إطار المقارنة الحضارية العالمية.
III.2. تفكيك سياسة دنلوب (Robert Dunlop)
يُعدّ اسم دنلوب، الذي تم ذكره في سياق سياسات التعليم الاستعمارية، إشارة مباشرة إلى رمزية التدمير الممنهج للتعليم الوطني.1 يعترف شوقي بالتراجع في حركة التعليم المصرية (حتى رأينا مصر تخطو إصبعًا)، وهو تراجع مهول مقارنة بسرعة تقدم الأمم الأخرى (“إن مشتِ الممالكُ مِيلا”).3
يتجلى النقد السياسي في أشد صوره عندما يربط شوقي بين هذا التخلف وجهل الشعب المتوارث: “تلك الكفورُ وحَشوُها أُميَّةٌ من عهدِ «خوفو» لم ترَ القنديلا”.3 هذا يوضح أن الأزمة ليست فقط نتاج الاحتلال، بل نتاج فشل متوارث في النظام السياسي المصري، مما أبقى الريف المصري (الكفور) في ظلام الأمية منذ العصور الفرعونية. ويكمل شوقي نقده للتعليم الاستعماري بالإعلان عن فشله الذريع: “ما كان دنلوبٌ ولا تعليمُهُ عند الشدائد يُغنِيان فتيلا”. هذا يعني أن المنظومة التي أنشأها دنلوب، التي هدفت لتخريج موظفين خاضعين 1، لا يمكنها بناء مواطنين أو رجال دولة قادرين على مواجهة الأزمات الوطنية والشدائد، مما يجعلها فاشلة في جوهرها.
III.3. المحور الفلسفي: شجاعة العقول وشهادة سقراط
في تحول بارع، ينتقل شوقي من الأنبياء (قادة الوحي) إلى سقراط (قائد العقل) كرمز للمعلم الذي يضحي بنفسه من أجل الحقيقة، وهو ما يسميه شوقي “شجاعة العقول”. يلاحظ شوقي أن “إن الشجاعة في القلوب كثيرة ووجدت شجعان العقول قليلا”.8 هذا التمييز جوهري؛ فالشجاعة الجسدية قد تكون متاحة للجميع، لكن الشجاعة الحقيقية تكمن في الدفاع عن المبدأ والحقيقة، ومقاومة الاستبداد الفكري والسياسي.
يُقدم سقراط كنموذج لشهيد الحقيقة في مواجهة “دنيا المستبِدِّ”.9 لقد أجبر على تجرع السم بعد اتهامه بالفساد وإفساد الشباب.10 يصور شوقي قبول سقراط للموت كاختيار واعٍ للخلود الفكري على الحياة في ظل الغباوة والجهل: “سقراطُ أعطى الكأسَ وهي مَنِيَّةٌ شفتَي مُحِبٍّ يشتهي التقبيلا”.11 هذا المشهد البطولي يؤكد أن المعلم، كقدوة، يجب أن يرفض المساومة على الحقيقة، مفضلاً الموت نبيلاً على الحياة التي عُرضت عليه “وهْي غباوةٌ”.11 إن إدراج شوقي لسقراط إلى جانب الأنبياء يخلق مرجعية مزدوجة للتعليم: مرجعية روحية أخلاقية مستمدة من الوحي، ومرجعية عقلية فلسفية مستمدة من التضحية الفكرية.
للإطلاع على قصيدة النيل لأحمد شوقي
IV. الأخلاق التربوية: ميثاق المعلم في زمن الاستبداد
لا يكتفي شوقي بتمجيد المعلم، بل يضع ميثاقاً أخلاقياً صارماً لدوره، خاصة في زمن تفشي الفساد السياسي. إن مهمة المعلم، وفقاً لشوقي، هي بناء النظام الأخلاقي للمجتمع.
IV.1. المعلم كباني للإنصاف والطباع
ينادي شوقي المعلمين بأن يربوا النشء على “الإنصافِ فِتيانَ الحِمى تجِدوهمُ كهفَ الحقوقِ كهولا”. هذا البيت يحدد هدف التربية: تخريج جيل عادل ومنصف، يكون هو الملاذ الأخير لحماية الحقوق عندما يتقدم به العمر.12
للإطلاع على ديوان الأطفال لأحمد شوقي
المعلم، إذاً، هو باني الطبع القويم والنفوس العادلة، وهو الذي “يُقِيمُ منطقَ كلِّ أعوجِ منطقٍ ويُريه رأيًا في الأمور أصيلا”.9 هذا الدور ليس تكميلياً، بل أساسي؛ فهو يضمن أن يكون الجيل القادم حصناً أخلاقياً ضد الفساد والاستبداد الذي عانت منه مصر تحت الاحتلال.
IV.2. العدل والبصيرة كصمامات أمان
يضع شوقي شروطاً لا غنى عنها لفعالية الرسالة التربوية: العدل والبصيرة. يتحدث عن عواقب انحراف المعلم: “وإذا المعلِّمُ لم يكن عدلًا مشى رُوحُ العدالةِ في الشباب ضئيلا”.13 هذا يوضح العلاقة السببية المباشرة بين النزاهة الشخصية للمعلم والقدرة على غرس العدالة الاجتماعية في الشباب. فالمعلم هو قدوة، وفساده أو انعدام عدله يؤدي إلى فشل المشروع التربوي برمته.
كما يحذر شوقي من فقدان المعلم لـ “لحظ بصيرة”، مما يؤدي إلى “بصائر حولا” عند الطلاب. ويشدد على أن الإرشاد إذا انطلق من دافع شخصي مثل “الهوى” أو “الغرور” فإنه يجب أن يسمى “التضليل”.4 هذا تحذير بالغ الأهمية في سياق اجتماعي يميل فيه المستبدون إلى استغلال المربين؛ فإذا لم يكن المعلم نزيهاً، سيتحول إلى أداة لتشويه وعي الشباب، بدلاً من إرشادهم. لهذا السبب، يقرر شوقي أن مصاب القوم الحقيقي هو في الأخلاق: “وإذا أُصيبَ القومُ في أخلاقهم فأقِمْ عليهم مأتمًا وعويلا”.9
V. الإصلاح الاجتماعي وإعادة تعريف اليتم
يركز الجزء الأخير من القصيدة على قضيتين اجتماعيتين متصلتين بشكل وثيق بالنهضة: تعليم المرأة وتوسيع مفهوم المسؤولية التربوية.
V.1. تعليم المرأة كمطلب وطني (Societal Imperative)
يعتبر شوقي تعليم المرأة أساساً لا غنى عنه لصحة المجتمع. فتعليم النساء ليس مسألة حقوقية فحسب، بل هو استثمار وطني حيوي يحدد مصير الأجيال القادمة. يصور شوقي النتيجة الكارثية لإهمال تعليم الأم: “وإذا النساءُ نشأنَ في أُميَّةٍ رضَعَ الرجالُ جهالةً وخمولا”.13
هذه العبارة تكشف عن تحليل سببي عميق: أمية المرأة هي الجذر الاجتماعي لتخلف الأمة، وهي التي تسبب “جهالة وخمول” الرجل، فتربية الأمة تبدأ من حجر الأم.13 يربط شوقي بين حرمان المعلمين من “عون الأمهات الجليل” في مصر وبين فشل عملية التربية، مما يرفع قضية تعليم المرأة إلى مستوى المقاومة الوطنية والتحرر الاجتماعي.14
V.2. توسيع مفهوم اليتيم (The Pedagogical Orphanhood)
في تحول جذري، يعيد شوقي تعريف مفهوم اليتم، مبتعداً عن تعريفه البيولوجي التقليدي. يبدأ شوقي بنفي اليتم التقليدي: “ليس اليتيمُ من انتهى أبواهُ من همِّ الحياةِ وخلَّفاه ذليلا”، مؤكداً أن اليتيم البيولوجي قد يجد بديلاً في “حُسنِ تربيةِ الزمانِ بديلا”. هذا المفهوم يتوافق رمزياً مع الفكرة المنسوبة لعلي بن أبي طالب بأن “اليتيم يتيم العلم والأدب”.15
ثم ينتقل شوقي لتأكيد اليتم التربوي: “إنَّ اليتيم هو الذي تَلقَى له أُمًّا تخلَّت أو أبًا مشغولا”.13 هذا التوسع في المفهوم يوجه نقداً قوياً للثقافة المعاصرة التي تفرض ضغوطاً على الأبوين، سواء بانشغال الأب بالمتطلبات المادية والحياتية القاسية (ربما نتيجة للظروف الاقتصادية تحت الاحتلال) أو بتخلي الأم عن دورها التربوي الأساسي.16 إن اليتم الحقيقي، وفقاً لشوقي، هو فقدان الرعاية التربوية والأخلاقية، وهو ما يولد جيلاً هشاً وفاقداً للبوصلة، بغض النظر عن وجود الوالدين بيولوجياً.
توضح المقارنة بين أنواع اليتم في القصيدة توسع الرؤية التربوية لشوقي:
اليتم ودلالته في قصيدة شوقي
| المفهوم | المرجعية/التفسير | الموضع في القصيدة |
| اليتيم البيولوجي (التقليدي) | فاقد الأب قبل البلوغ، يمكن تعويضه بحسن التربية. | النفي: “ليس اليتيم من انتهى أبواهُ” |
| اليتيم الفلسفي (التربوي) | فاقد العلم والأدب (التجريد المعنوي). | الأساس الرمزي لتوسيع المفهوم. |
| اليتيم الشوقي (الاجتماعي/التربوي) | فاقد الرعاية التربوية نتيجة الإهمال الأسري. | الإثبات: “هو الذي تَلقَى له أُمًّا تخلَّت أو أبًا مشغولا” 13 |
VI. الأثر النقدي: ديالكتيك المثالية والواقعية
حظيت قصيدة شوقي باستقبال هائل كبيان فني وتربوي، لكنها أثارت في الوقت ذاته جدلاً أدبياً كبيراً، خصوصاً من قبل إبراهيم طوقان، الذي كان معلماً مكافحاً. تشكل القصيدتان معاً ديالكتيكاً ضرورياً لفهم أزمة التعليم في ذلك العصر.
VI.1. الصدى الأدبي والانتشار
انتشرت قصيدة شوقي بسرعة كمرجع رئيسي لتمجيد دور المعلم، وتعمق فيها الجمهور العربي لما فيها من قيم دينية ووطنية.2 لقد كان تمجيد شوقي للمعلم بمثابة رفع للروح المعنوية لهذه الطبقة في وقت كان الاحتلال يعمل على تحقيرها.
VI.2. إبراهيم طوقان ومعارضة الواقع
على النقيض، جاءت قصيدة الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (1905-1941م)، وهو معلم عانى من شظف العيش ورتابة المهنة، لتعارض مثالية شوقي بقسوة الواقع.17 يقول طوقان مخاطباً شوقي:
شوقي يقول وما درى بمصيبتي: “قم للمعلم وفّه التبجيلا”
ويكاد يقلقني “الأمير” بقوله: “كاد المعلم أن يكون رسولا”
لو جرّب التعليم شوقي ساعة * * * لقضى الحياة شقاوة وخمولا.
يرسم طوقان صورة قاتمة للحياة المهنية للمعلم: “حسب المعلم غمة وكآبة مرأى الدفاتر بكرة وأصيلا”.18 هذه الصورة النقدية تكشف الهوة بين الرؤية المثالية التي أطلقها شوقي (الأمير) والواقع المادي البائس للمعلم الفقير.19
يبلغ الإحباط ذروته عندما يصور طوقان جهده المضني في تدريس اللغة العربية، محاولاً بعث قواعد سيبويه القديمة، ليجد النتيجة صفراً: “فأرى حماراً بعد ذلك كلّه * * * رفع المضاف إليه والمفعولا”.19 إن هذا الفشل في نقل أبسط قواعد النحو يرمز إلى فشل العملية التعليمية كلها في ظل محدودية الإمكانيات وبلادة البيئة التعليمية، مما يدفع المعلم نحو اليأس.18
VI.3. نتيجة الجدلية
يمكن القول إن القصيدتين معاً تشكلان حقيقة أزمة التعليم في العالم العربي. قصيدة شوقي هي “بيان المبادئ” الذي يحدد الرسالة السامية، داعياً المعلم ليتحمل “عبء الأمانة”. بينما قصيدة طوقان هي “تقرير الواقع” الذي يصف المعاناة البشرية والظروف المادية والمعنوية التي تجعل تحقيق تلك الرسالة أمراً شبه مستحيل.
التحليل المقارن يوضح هذا الديالتيك:
ديالكتيك المثالية الشوقية مقابل الواقعية الطوقانية
| المنظور | أحمد شوقي (الرؤية المثالية) | إبراهيم طوقان (النقد الواقعي) |
| مكانة المعلم | يكاد يكون رسولاً (تمجيد روحي). | يعيش “شقاوة وخمولا” (شقاء مهني). 18 |
| جوهر العمل | بناء الأنفس والعقول. | معاناة التصحيح وإحباط الفشل التربوي. 20 |
| المحفز | الأمانة وخدمة النور. | الغمة والكآبة ورؤية الدفاتر بكرة وأصيلا. 18 |
| الغاية | إصلاح الأمة والنهوض بها. | التطلع إلى الانتحار هروباً من المهنة. 19 |
VII. الخاتمة
قدمت قصيدة أحمد شوقي “قم للمعلم” رؤية متكاملة لرسالة التعليم، متجاوزة المديح التقليدي إلى التحليل السياسي والفلسفي العميق. تتلخص النتائج الأساسية في ثلاث نقاط محورية:
أولاً: تأسيس المرجعية المزدوجة للمعلم، حيث رفع شوقي المعلم إلى مصاف الأنبياء (قادة الوحي) في الدور الأخلاقي، وإلى مصاف سقراط (شهيد العقل) في الدفاع عن الحقيقة في وجه الاستبداد والجهل. هذا التوليف بين الروحي والعقلي هو أساس النهضة المطلوبة.
ثانياً: توجيه نقد حاد ومنهجي للواقع السياسي والاجتماعي. لم يقتصر النقد على سياسات الاحتلال البريطاني المتمثلة في شخص دنلوب وإفقاره للتعليم، بل امتد ليلامس الجذور الداخلية للتخلف، مثل الأمية المتوارثة وفشل النخب السياسية. كما ربط القصيدة التخلف الحضاري بظاهرة التبعية الفكرية (“التطفيل”).
ثالثاً: تأكيد البعد الاجتماعي والإصلاحي للتعليم، من خلال التركيز على وجوب عدالة المعلم كشرط لبناء جيل منصف، وإعادة تعريف اليتم من الفقد البيولوجي إلى الفقد التربوي الناتج عن إهمال الأبوين. والأهم، جعل تعليم المرأة (الأم) قضية وطنية عليا، لأن أميتها هي منبع خمول الرجال وجهالتهم.
تظل القصيدة نصاً تأسيسياً في أدب النهضة العربي، ليس فقط بما قدمته من تمجيد، ولكن بما طرحته من ميثاق أخلاقي وفلسفي ربط بين الوطنية والتعليم والإصلاح الاجتماعي. إن فهم الأثر التاريخي للقصيدة لا يكتمل إلا باستحضار نقيضها الواقعي الذي مثله إبراهيم طوقان، مما يوضح الجدلية القائمة بين مثالية الرسالة وشقاء الواقع الذي ما زالت الأجيال اللاحقة تعانيه.
Works cited
- التعليم وترسيخ الاحتلال الإنجليزي لمصر, , https://www.msf-online.com/wp-content/uploads/2024/09/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%88%D8%AA%D8%B1%D8%B3%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%AC%D9%84%D9%8A%D8%B2%D9%8A-%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1-.docx
- قم للمعلم وفه التبجيلا .. كاد المعلم ان يكون رسولا – وكالة الحدث للآراء, , http://www.alhadatharticles.co.uk/2022/01/%20%20%20%20..%20%20%20%20%20%20.html
- Al-jazirah, , http://www.al-jazirah.com/2002/20020609/rj2.htm
- Arabic, , https://mesas.emory.edu/documents/arabic-poem-translation.pdf
- قم للمعلم وفه التبجيلا | أمير الشعراء أحمد شوقي – YouTube, , https://www.youtube.com/watch?v=MMqE-UYHBMA
- العلم والتعليم وواجب المعلِّم | الشوقيات – مؤسسة هنداوي, , https://www.hindawi.org/books/70706142/36/
- قم للمعلم وفه التبجيلا .. كاد المعلم أن يكون رسولا …. شرح درس رسالة المعلم للصف الخامس … – YouTube, , https://www.youtube.com/watch?v=ZAK2tgiMzts
- شجاعة العقول … يقول أمير الشعراء أحمد شوقي “إنَّ الشَّجاعةَ في القُلوبِ كَثيرةٌ ووَجدتُ شُجعانَ العُقولِ قَليلا” – صحيفة الجماهير, , https://jamahir.alwehda.gov.sy/?p=71303
- الحكمة في شعر شوقي (المضامين والتشكيل – Scribd, , https://www.scribd.com/document/419872195/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%B4%D8%B9%D8%B1-%D8%B4%D9%88%D9%82%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B6%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%8A%D9%84
- كيف مات سقراط أبو الفلاسفة ؟ – YouTube, , https://www.youtube.com/shorts/YEw13x9Ktec
- لماذا تجرع سقراط السم – ولماذا رفض الهروب ؟ – YouTube, , https://www.youtube.com/watch?v=Q4x0g2AbvKY
- الإسلام في شعر أحمد شوقي – الاثنينية ::المكتبة, , https://alithnainya.com/tocs/default.asp?toc_id=9039&toc_brother=-1&path=0;2;3748;8932;9039
- قصيدة قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا | أحمد شوقي – YouTube, , https://www.youtube.com/watch?v=ggmuqnA8A2c
- دﻋﻮة أﻣري اﻟﺸﻌﺮاء أﺣﻤﺪ ﺷﻮﻗﻲ إﱃ ﺗﺤﺮﻳﺮ اﳌﺮأة ﰲ اﻟﻌﺎمل اﻟ ٢ – Al Manhal Platform, , https://platform.almanhal.com/Files/2/105946
- اليتم في الشعر العربي: من فقد الوالدين إلى فقد الوطن والقيم – صحيفة أخبار اليوم, , https://akhbaralyom.net/news_details.php?sid=186305
- إن اليتيم هو الذي تلقى له ،، أمًّا تخلّت أو أبًا مشغولا – الشيخ صالح المغامسي – YouTube, , https://www.youtube.com/watch?v=j8nWSEK1r-A
- صورة المعلم ووظيفته في الشعر العربي – مجلة الكلمة, , http://www.alkalimah.net/Articles/Read/7892
- معارضة إبراهيم طوقان لقصيدة قم للمعلم لأمير الشعراء أحمد شوقي |أ/ عبدالله أحمد خليف – YouTube, , https://www.youtube.com/watch?v=dDBtnE7u8E4
- إبراهيم طوقان يُعارض أحمد شوقي – الشيخ صالح المغامسي – YouTube, , https://www.youtube.com/watch?v=Pxo6D8qerZ4
- قصيدة إبراهيم طوقان الساخرة عن المعلم التي يعارض فيها قصيدة قم للمعلم لأحمد شوقي, , https://www.hdhod.com/%D9%82%D8%B5%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85-%D8%B7%D9%88%D9%82%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AE%D8%B1%D8%A9-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D9%8A%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%B6-%D9%81%D9%8A%D9%87%D8%A7-%D9%82%D8%B5%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D9%82%D9%85_a9742.htm








