تُعد قصيدة “بَني مِصرٍ مَكانُكمُو تَهَيَّأ” لأمير الشعراء أحمد شوقي (1868-1932م) إحدى الركائز الأساسية في المدونة الشعرية الوطنية المصرية الحديثة. هذه القصيدة، التي يُشار إليها أحياناً بـ “نشيد مصر”، ليست مجرد عمل أدبي عابر، بل هي وثيقة فنية وتاريخية تلخص تطلعات الأمة المصرية في فترة حساسة أعقبت ثورة 1919، وتُجسّد الصراع بين الاتجاهات الشعرية الكلاسيكية والمجددة حول وظيفة الشعر القومي. يقدم هذا التقرير تحليلاً شاملاً للقصيدة، يغطي سياقها التاريخي، وبنيتها الفنية، ومحاورها الفكرية المركزية، وموقعها في ميزان النقد الأدبي.
القسم الأول: النشأة والسياق التاريخي والفني للأنشودة الوطنية الشوقية
1.1 أحمد شوقي: من شاعر القصر إلى شاعر الأمة
ينتمي أحمد شوقي إلى مدرسة الإحياء والبعث، وقد اضطلع بدور ريادي في تطوير الشعر القومي بعد محمود سامي البارودي.1 كان شوقي، الذي ولد وتوفي في القاهرة 2، قد نشأ في كنف البيت الملكي بمصر، مما أثر في حياته وشعره المبكر.1 ومع ذلك، فإن مسار حياته المهني والسياسي خضع لتحول جوهري.
كان لنفي شوقي إلى إسبانيا عام 1915م، بعد سقوط الخديوي عباس حلمي الثاني 1، أثر عميق ومحوري في شعره الوطني. فقد أدى هذا النفي القسري إلى ابتعاده عن بلاط الخديوي والطبقة الحاكمة، مما أجبره على الانخراط العلني في صفوف الأمة، لا سيما مع وصول مشاعر الحنين إلى الوطن أوجها خلال تلك الفترة.1 عندما عاد شوقي عام 1920م 3، كانت قصائده الوطنية التي أنتجها بمثابة إعلان التزام وطني واضح، أكسبته شعبية واسعة ومكانة عظيمة، ومهدت الطريق لمنحه لقب “إمارة الشعر” عام 1927.1 هذا التحول الوظيفي في شعره يمثل استجابة أدبية للتحول السياسي والاجتماعي في مصر. إن البعد عن البلاط أتاح لشوقي أن يصبح لسان حال الأمة بشكل أكثر صدقاً وتأثيراً، وهو ما يفسر القوة التعبوية لأعماله اللاحقة.
1.2 سياق القصيدة وجدلية النشيد القومي
تندرج قصيدة “بَني مِصرٍ مَكانُكمُو تَهَيَّأ” ضمن فن “الأنشودة الوطنية”، وهو الفن الذي ازدهر في العصر الحديث بهدف تعزيز الروح المعنوية وتحريض الجماهير على المطالبة بالحقوق والعدالة.1
اكتسبت القصيدة أهمية مضاعفة بسبب ارتباطها بمسابقة اختيار النشيد القومي المصري في تلك الحقبة.4 لقد أحيطت المسابقة بجدل واسع؛ حيث تذكر المصادر وجود “انحياز لشوقي ضد الرافعي”.4 وتشير التفاصيل إلى أن اللجنة المعنية باختيار النشيد “مدّت الأجل” المحدد لتقديم القصائد لضمان مشاركة شوقي وفوزه، الأمر الذي أثار غضب الأدباء، بمن فيهم الرافعي والعقاد والمازني، الذين شنوا حملة نقدية ضد شوقي ونشيده.4
يُظهر هذا الخلاف مدى عمق الصراع المنهجي بين مدرسة الإحياء التي يمثلها شوقي (بنزعتها الخطابية والجزلة) وبين مدرسة الديوان (بنزعتها الذاتية والتأملية). إن فوز شوقي، على الرغم من هذا الهجوم الحاد، يوضح أن الأدوات البلاغية والأساليب الفنية التي تميز بها الجيل الكلاسيكي كانت الأنسب وظيفياً لغرض النشيد القومي، الذي يتطلب إيقاعاً قوياً وخطاباً مباشراً ذا رنين جماهيري عالٍ، وهو ما يختلف عن متطلبات القصيدة الوجدانية التي كانت تدعو إليها مدرسة الديوان. ومن الملفت أن النشيد الوطني الرسمي لمصر قد تغير عدة مرات منذ ذلك الحين، ليصبح لاحقاً “والله زماني يا سلاحي” ثم “بلادي بلادي لك حبي وفؤادي”.4
للإطلاع على قصيدة نهج البردة لأحمد شوقي
1.3 البناء الفني والإيقاع الحماسي للنشيد
إن القوة التعبوية لقصيدة “بَني مِصرٍ مَكانُكمُو تَهَيَّأ” تستمد جزءاً كبيراً من فعاليتها من بنيتها الفنية المحكمة وإيقاعها الديناميكي.
القصيدة منظومة على بحر الوافر التام 2، وهو من البحور التي تتميز بتدفقها وقدرتها على استيعاب النبرة الخطابية والحماسية، إذ يتكون من تفعيلة (مفاعلتن مفاعلتن فعولن). إن هذا الإيقاع المتدفق مناسب تماماً لغرض الإنشاء الجماعي الذي تتطلبه الأناشيد الوطنية.2 أما القافية، فهي الياء المطلقة (الياء المروية)، حيث تنتهي جميع الأبيات بحرف الياء المشبع بالمد، مثل: (تَهَيَّأ، مَلِيَّاً، شَهِيَّا، الرُّقِيَّا).2 هذا الإشباع الصوتي يمنح القصيدة رنيناً عالياً ويسهم في تعزيز حالة التعظيم والدعوة، مما يجعله مادة شعرية مثالية للإنشاد.
يغلب على القصيدة الأسلوب الإنشائي الطلبي، وتحديداً الأمر والنداء (“بَني مِصرٍ”، “مَهِّدوا”، “خُذوا”). هذا التركيز على الأوامر والدعوات المباشرة يحول القصيدة من مجرد تأمل أو وصف إلى فعل سياسي ووطني مباشر، مما يخدم وظيفتها كأداة للتعبئة والتحفيز.
جدول رقم (1): الهندسة العروضية والوظيفية لقصيدة “بني مصر”
| المعيار الفني | التفصيل | الدور الوظيفي (للنشيد) |
| البحر العروضي | الوافر التام (مفاعلتن مفاعلتن فعولن) | يمنح القصيدة إيقاعاً قوياً ومتدفقاً وحماسياً، مما يسهل الإنشاد الجماعي والحفظ.2 |
| حرف الروي والقافية | الياء المطلقة (ياء مروية) | يوفر إشباعاً صوتياً ونغمة ممتدة، تعزز الفخامة وتناسب الإلقاء الخطابي.2 |
| الأسلوب الغالب | الإنشائي الطلبي (الأمر والنداء) | يحوّل القصيدة إلى خطاب تعبوي مباشر، ويحدد مسؤولية البناء على عاتق المخاطبين. |
القسم الثاني: التحليل النصي والدلالات الفكرية للأبيات
تتأسس القصيدة على رؤية متكاملة للبناء الوطني، تجمع بين استحضار المجد القديم، وتأكيد الأسس الأخلاقية، والالتزام بالتضحية، وترسيخ مفهوم الوحدة الوطنية.
2.1 الدعوة إلى العز والبناء واستحضار الإرث
يفتتح شوقي القصيدة بدعوة تحفيزية للشباب: “بَني مِصرٍ مَكانُكمُو تَهَيَّأ فَهَيَّا مَهدُوا للمُلكِ هيَّا”. هذا النداء يحمل معنى الحفز والاستعجال (تكرار “هيَّا”)، ويفترض أن مصر في حالة جاهزية للسيادة وقيادة المنطقة، بعد فترة من الخضوع. “مكانكمو تهيأ” كناية عن الفرصة الذهبية لاستعادة السيادة.
ويُتبع ذلك بدعوة لتتويج هذا الملك بالخلود: “خُذوا شمسَ النهارِ له حُلِيَّاً أَلم تَكُ تاجَ أَوّلِكم مَلِيَّاً؟!”. هنا، يوظف الشاعر صورة “شمس النهار” كاستعارة تصريحية للعظمة والخلود، مصوراً مجد الأمة كملك يلبس تاجاً من نور الشمس.5 إن ربط هذا المجد بالإرث القديم (“أَلم تَكُ تاجَ أَوّلِكم”) ليس مجرد تجميل، بل هو إضفاء للشرعية التاريخية. إن شوقي يطلب من الجيل الحالي ليس ابتداع مجد جديد من العدم، بل استرداد وتجسيد مجد أزلي متوارث من الحضارة الفرعونية القديمة، التي كانت تعظم رمزية الشمس كرمز للقوة الأبدية والسيادة.
2.2 الأخلاق أساس الملك ومقدسية الأرض
ينتقل الشاعر من البناء المادي إلى الأساس الجوهري للدولة: “على الأَخلاق خُطُّوا المُلكَ وابنوا فليسَ وراءَها للعِزِّ رُكن”. يُعد هذا البيت بمثابة بيان فلسفي يحدد الأخلاق كركيزة وحيدة لا غنى عنها للدولة القوية. هذا التركيز يتماشى مع حركة الإصلاح الاجتماعي والفكري في عصر النهضة، التي اعتبرت الفساد الأخلاقي السبب الأعمق وراء التخلف والتبعية السياسية.
ويعقب ذلك بتعظيم الأرض: “أَليس لكم بِوادِي النِّيل عَدْنُ وكوثرُها الذي يَجري شهيَّا؟!”. هنا، يدمج شوقي الرموز الدينية بالوصف الجغرافي، مشبهاً وادي النيل بـ “عدن” (الجنة)، وماء النيل بـ “الكوثر” (نهر الجنة). هذا التوظيف الرمزي يرفع قيمة الأرض من كونها مجرد موقع جغرافي إلى كيان مقدس ومبارك.6 إن تحويل النيل إلى رمز ديني يضاعف من دافع الفداء، فالموت في سبيل حماية هذا “الكوثر” يصبح واجباً وجودياً وإيمانياً.
2.3 عقيدة الفداء والاعتزاز بالإرث الحضاري
يُظهر شوقي التزام الأمة المصرية بعقيدة الفداء المطلق: “لنا وطنٌ بأَنفسِنا نَقيه وبالدُّنيا العريضةِ نَفتديه. إِذا ما سِيلَتِ الأَرواحُ فيه بَذَلناها كأَنْ لم نُعْطِ شيَّاً”. يُبرز هذا التعبير أن بذل الروح في سبيل الوطن ليس تضحية تُستعظم، بل هو واجب يُؤدَّى بغير تردد، كأنه لم يُقدم شيء ذو قيمة تذكر. هذا المستوى من الإخلاص يعكس الروح الثورية والاستعداد للمقاومة ضد المحتل.
ثم ينتقل إلى استحضار الرموز الخالدة: “لنا الهَرَمُ الذي صحِبَ الزمانا ومن حَدَثانِه أَخذ الأَمانا. ونحنُ بنو السَّنا العالي، نمانا أَوائلُ عَلَّموا الأُمَمَ الرُّقِيا”. الهرم يرمز هنا إلى الصمود والتحدي الأزلي للمحن (حدثانه). أما البيت الأخير في هذا المقطع، فهو تأكيد مباشر للهوية الحضارية المصرية؛ إذ يعلن أن المصريين هم “بنو السَّنا العالي” وأن أجدادهم هم من علموا الأمم الرقي. إن هذا الاستحضار للتاريخ يعمل بمثابة آلية نفسية لمقاومة الاستعمار الذي كان يسعى لتكريس فكرة تخلف الشعوب الشرقية وحاجتها للوصاية الأوروبية. يرد شوقي على هذا الادعاء بقلب الموازين، مؤكداً أن مصر هي مصدر الرقي، وبالتالي، فإن خضوعها للاحتلال هو أمر غير منطقي وغير مستحق.
للإطلاع على ديوان الأطفال لأحمد شوقي
2.4 الوحدة الوطنية والتماسك الجماعي
تصل القصيدة إلى ذروتها الفكرية في إعلان الوحدة الوطنية المطلقة، التي كانت السمة الأبرز لثورة 1919: “جَعَلنا مِصْرَ مِلَّةَ ذي الجَلالِ وَأَلَّفْنَا الصليبَ على الهِلالِ”. يمثل هذا البيت التجسيد الشعري لروح الثورة، حيث تلاقى المسلمون والأقباط في خندق واحد ضد الاستعمار الإنجليزي.6 إن تعبير “أَلَّفْنَا الصليبَ على الهِلالِ” هو استعارة مكنية بليغة تُصور الوحدة ككيان واحد لا يمكن تقسيمه أو المزايدة عليه دينياً أو طائفياً. هذا التوجه الوحدوي كان هدفاً متعمداً لشوقي في أشعاره لمعارضة التفرقة والتعصب المذهبي.6
لتعزيز صورة القوة والتماسك، يستخدم شوقي تشبيهاً عسكرياً قوياً: “وأَقبَلنا كصفٍّ من عَوالِ يُشدُّ السَّمْهَرِيُّ السَّمْهَرِيّا”. حيث تُشبه الأمة في تلاحمها بصف من الرماح الطويلة (العوالي)، يشدّ بعضها بعضاً (الرمح السمهري هو رمح قوي)، مما يوحي بالقوة المطلقة والجهوزية القتالية والتنظيم الذي لا يُقهر.
تُختتم القصيدة بعهد دائم ونهائي: “إِلَيكِ نَموتُ — مِصْرُ — كما حَيينا ويَبقى وجهُكِ المَفْدِيُّ حيَّاً”. هذا التعهد يضع فناء الأفراد في خدمة بقاء الوطن الأبدي، مؤكداً أن الحياة والموت مكرّسان بالكامل للحفاظ على مصر.
القسم الثالث: القصيدة في ميزان النقد: صراع المدارس حول النشيد
لم تكن قصيدة “نشيد مصر” بمنأى عن النقد، لا سيما من مدرسة الديوا التي كانت في أوج صراعها مع مدرسة الإحياء، حيث تحول الجدل حول النشيد القومي إلى ساحة لتصفية الحسابات الأدبية المنهجية.7
3.1 النقد اللاذع لوطنية شوقي
وجه الأديب عباس محمود العقاد، أحد قادة مدرسة الديوان، نقداً حاداً للشعر الوطني عند شوقي. إذ يرى العقاد أن شوقي كان يحس الوطنية كما يحسها “التركي المتمصر من طبقة الحاكمين أو المقربين إلى الحكومة”، وأنه كان بمعزل عن الأمة في شعوره. وذهب العقاد إلى أن شوقي لم يناضل في ميدان الوطنية إلا في وقت “يأمن فيه سوء العاقبة”.1 هذا النقد يعكس الخلاف الأيديولوجي بين المدرستين، حيث كانت الديوان تطالب بالشعر الوجداني الصادق والنابع من تجربة ذاتية عميقة.
في سياق مشابه، يلاحظ الناقد محمد مندور أن شوقي قد يفتقر إلى “فلسفة أخلاقية بذاتها” وعمق وتأثير واهتزاز في شعره.7
3.2 تفنيد النقد وتأصيل الوظيفة الشعرية
يجب قراءة نقد العقاد في سياق الخصومة الأدبية القائمة. إن قصيدة “بَني مِصرٍ مَكانُكمُو تَهَيَّأ” نفسها تقدم دليلاً قوياً مضاداً لادعاء العقاد بالانعزال. إن الحماس البالغ والدعوة الصريحة لـ “بذل الأرواح”، وخصوصاً التبني الصريح لمبدأ الوحدة الطائفية ممثلة في “الصليب على الهلال”، هي مؤشرات على استيعاب شوقي للمزاج الشعبي الثوري بعد عام 1919. لا يمكن لقصيدة بهذه القوة التعبوية أن تكون نتاج شاعر معزول أو غير مكترث بالنتائج.
أما النقد المتعلق بالافتقار إلى “الفلسفة الأخلاقية” 7، فيمكن رده إلى التباين في وظيفة النص. فالنشيد القومي، وهو النوع الذي تنتمي إليه القصيدة، لا يتطلب عمقاً فلسفياً بل يتطلب رسالة مباشرة وواضحة وقوة في الإيقاع والتحريض. لقد أجاد شوقي في توظيف أدواته الكلاسيكية (الجزالة والفخامة اللغوية) لخدمة قضية التعبئة الجماهيرية، وهو الدور الذي أكدت الدكتورة مفيدة إبراهيم علي وغيرهم أن شوقي اضطلع به في تأسيس فن الأنشودة الوطنية الحديثة وتأثيره الحاسم على الحياة السياسية.1 كان شوقي، في هذا المقام، شاعراً قائداً يحشد الكلمات، لا فيلسوفاً يتأمل الذات.
للإطلاع على قصيدة النيل لأحمد شوقي
جدول رقم (2): ملخص لآراء النقاد حول الوطنية الشوقية
| الناقد/المدرسة | المنهج النقدي | الرأي حول وطنية شوقي | تأثير الرأي على “نشيد مصر” |
| عباس العقاد (مدرسة الديوان) | هجوم شخصي ومنهجي، نابع من خلافات أدبية.7 | وطنية طبقية، محصورة في طبقة الحاكمين، ومعزولة عن وجدان الأمة.1 | القصيدة تخالف هذا الرأي ظاهرياً بحماسها ووحدة رمزيتها، لكن العقاد قد يراها تقليداً فنياً لا شعوراً حقيقياً. |
| محمد مندور | نقدي متوازن، يسلم بالمهارة وينتقد الفلسفة.7 | يفتقر إلى “فلسفة أخلاقية بذاتها” وعمق التأثير.7 | القيمة الفنية للقصيدة (الإيقاع والتركيب) لا تُنكر، لكنها قد تفتقر إلى النزعة التأملية الذاتية التي كانت تطمح إليها مدارس التجديد. |
| د. مفيدة إبراهيم علي (معاصرة) | تأصيل دور مدرسة الإحياء في النشيد.1 | أكدت دور شوقي في تأسيس فن الأنشودة وتأثيره الحيوي على المشاعر الوطنية.1 | القصيدة نموذج مثالي لدور شوقي كصوت وطني في التعبئة، وتأكيد على نجاح أسلوب الإحياء في هذا المجال. |
3.3 جماليات الصورة والرمز
تعتمد جمالية القصيدة على “الصورة الكبرى” (Macro Imagery) التي تهدف إلى الإبهار والتعظيم، وهي سمة مميزة لشعر الإحياء. من أبرز هذه الجماليات:
- استعارة العظمة المطلقة: تصوير المجد بتاج من “شمس النهار”، وهي استعارة تضفي على المجد صفة السرمدية والبهجة، وتتجاوز الصورة الشعرية المألوفة.
- رمزية الوحدة الجامعة: يمثل “الصليب على الهلال” أعلى مستويات توظيف الرمز السياسي في الشعر الحديث.6 هذا الرمز لم يكن مجرد زخرف أدبي، بل كان بياناً للهوية الوطنية الجديدة، حيث تذوب الهويات الفرعية في هوية وطنية جامعة موحدة ضد المحتل.
- الصور الحركية والمتحفزة: استخدام التشبيهات العسكرية، مثل تشبيه الشعب بـ “صفٍّ من عَوالِ يُشدُّ السَّمْهَرِيُّ السَّمْهَرِيّا”، يعزز فكرة البناء الوطني المستدام الذي يتطلب قوة وتماسكاً عسكرياً واجتماعياً لا يتزعزع.
القسم الرابع: الخاتمة والاستنتاجات النهائية
تُمثل قصيدة أحمد شوقي “بَني مِصرٍ مَكانُكمُو تَهَيَّأ” عملاً متكاملاً في أدب التعبئة الوطنية، وهي تعكس قدرة شوقي الفائقة على استخدام القالب الكلاسيكي في تناول القضايا الحديثة.
لقد نجح شوقي في دمج ثلاثة محاور فكرية أساسية في نسيج شعري واحد: استعادة المجد العتيق بالربط بين المستقبل والماضي الفرعوني (الهرم والشمس)، وتأسيس البناء الوطني على ركيزة الأخلاق والقيم، وأخيراً، ترسيخ مبدأ الوحدة الوطنية غير المشروطة (الصليب والهلال).
على الرغم من الجدل النقدي الذي رافقها، والذي كان في جزء كبير منه ناتجاً عن صراع المدارس الأدبية حول إمارة الشعر ووظيفة القصيدة 4، تظل هذه القصيدة وثيقة تاريخية وأدبية هامة. إنها تؤكد أن الشعر الكلاسيكي الملتزم بجزالة اللفظ ومتانة البناء (كما في بحر الوافر) كان يمتلك القوة والقدرة على توجيه الوعي القومي وتحفيز الجماهير في أخطر منعطفات التاريخ.2 يضمن الإصرار على ذكر “الصليب على الهلال” في قلب النشيد بعداً أخلاقياً وإنسانياً متجاوزاً للسياسة المباشرة، مما يكسب القصيدة خلوداً كرمز خالد للنسيج الاجتماعي المصري المتنوع.
Works cited
- عن كتاب ( الأنشودة في الشعر العربي الحديث في مصر ) .. للناقدة د مفيدة …, , https://alraeys.com/2024/04/25/%D8%B9%D9%86-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%B4%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF/
- بني مصر مكانكمو تهيا – موقع قصيدة, , https://qaseda.com/ahmedshawqi/%D8%A8%D9%86%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%86%D9%83%D9%85%D9%88-%D8%AA%D9%87%D9%8A%D8%A7/
- في حب مصر.. قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي من منفاه – YouTube, , https://www.youtube.com/shorts/EhoLkg35qvQ
- وطنيات ثورة 1919 (30): قصة نشيد اسلمي يا مصر.. ومحاولات جعله نشيدا وطنيا لمصر, , https://www.shorouknews.com/mobile/news/view.aspx?cdate=30032019&id=e9af57b4-1b5e-452c-8d16-7edda87d59bb
- شرح نص(مصر هي الدنيا)بالتفصيل للصف الخامس الابتدائي الترم الثاني 2021/حل التدريبات كاملة – YouTube, , https://www.youtube.com/watch?v=zbQuynJOGq0
- الأدب العربي وأبعاده في جمهورية مصر, , http://www.nooreladab.com/showthread.php?t=13809
- Shawqi between Mandour and Al-Akkad: A critical view شوقي بين العقاد ومندور: رؤية نقدية – المؤسسة العربية للعلوم ونشر الأبحاث, , https://journals.ajsrp.com/index.php/jalsl/ar/article/download/5700/5431/8591








