مرساة الانحدار ونجم قلب الأسد والعصر الفلكي للأسد وعلاقتها بمصر القديمة

يسعى هذا التقرير إلى تقديم توليف تحليلي ومعمق للآليات الفلكية والرمزية المصرية القديمة والنقد الأثري المتعلق بالفرضية القائلة بأن الحضارة المصرية ربما تكون قد أرست تسلسلها الزمني استنادًا إلى الدورة الطويلة للأرض، وتحديداً دورة البدارية (Precession) التي تبلغ حوالي 26,000 سنة، بالاعتماد على نجم قلب الأسد (Regulus) وكوكبة الأسد (Leo). يمثل هذا الموضوع نقطة توتر جوهرية في علم المصريات بين التسلسل الزمني المثبت بواسطة الأدلة النصية التي تحدد الفترة الأسرية حوالي 3100 قبل الميلاد 1، وبين التواريخ التخمينية المستندة إلى محاذاة سماوية ممتدة (مثل 10,500 قبل الميلاد).2

تتطلب الاستجابة المتخصصة لهذه الفرضية الاعتماد الصارم على المصادر الأكاديمية باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية.4 إن مفهوم “مرساة الانحدار” (Sky Anchor) يشير إلى استخدام جرم سماوي كنقطة مرجعية ثابتة نسبياً، والتي من خلالها يمكن قياس حركة البدارية البطيئة. ومع ذلك، يجب التمييز بوضوح بين هذا المفهوم الرمزي الفلكي القديم المفترض، والآليات الفلكية الفعلية التي استخدمها المصريون الأقدمون لتثبيت التسلسل الزمني لممالكهم، والتي كانت أكثر ارتباطًا بالدورات القصيرة والمتوسطة المدى.6

1.2. تحديد الإطار الفلكي: البدارية المحورية والدورة الكبرى

البدارية المحورية هي عملية فيزيائية تحرضها الجاذبية، وتتمثل في تغيير بطيء ومستمر في اتجاه المحور الدوراني لجسم فلكي. وفي حالة الأرض، تشير البدارية إلى التحول التدريجي في اتجاه محور دوران الأرض في دورة تبلغ حوالي 26,000 سنة.5 هذه الحركة تشبه حركة مغزل يدور، حيث يتتبع المحور زوجاً من المخاريط المتصلة عند قمتيهما. تاريخياً، كان هذا التحول يسمى “بدارية الاعتدالين” (precession of the equinoxes)، لأن نقطتي الاعتدال تتحركان غرباً على طول مسار الشمس بالنسبة للنجوم الثابتة.7

تستغرق الدورة الكاملة للبدارية حوالي 25,772 إلى 26,000 سنة، مما يؤدي إلى تحول قدره درجة واحدة تقريباً كل 72 سنة.5 هذه العلاقة العددية، التي تنطوي على الرقم 72، لها أهمية كبيرة في الحسابات الغامضة والفلكية القديمة. وقد لوحظ أن هذا العامل مرتبط بالبدارية وأنظمة كوكبية أخرى، مما يشير إلى أنه حتى لو لم يكن تتبع الدورة الكاملة واضحًا في النصوص المصرية، فربما تكون النسبة الرياضية لحركتها (1 درجة/72 سنة) قد تم ترميزها ضمن الرمزية العددية.8

تحدد دورة البدارية هذه ما يسمى “الأعمار الفلكية” (Zodiacal Ages)، حيث تقضي نقطة الاعتدال الربيعي حوالي 2,150 سنة في كل برج من الأبراج الاثني عشر.5 وبحسب هذا التصنيف، وقع عصر الأسد الأخير (Age of Leo) تقريباً بين 10,700 و 8,550 قبل الميلاد.10 إن التناقض الجوهري هنا هو أن فرضية عصر الأسد تتطلب دفع تاريخ تأسيس معلم معماري رئيسي (أبو الهول) إلى الوراء بما يقرب من 8,000 عام قبل تأسيس التسلسل الزمني التاريخي المعروف لمصر القديمة في الألفية الثالثة قبل الميلاد.1

II. قلب الأسد والأسد ومفهوم المرساة البدارية

2.1. نجم قلب الأسد (Regulus) في الميكانيكا السماوية والرصد القديم

يعد قلب الأسد (Regulus)، أو ألفا ليونيس ($\alpha$ Leonis)، ألمع جسم في كوكبة الأسد، وواحدًا من أشد النجوم سطوعًا في سماء الليل. هو نظام نجمي رباعي يقع على بعد حوالي 79 سنة ضوئية من النظام الشمسي.11

كان قلب الأسد، المعروف تاريخيًا باسم “قلب الأسد”، يُعرف بأنه “النجم الملكي” وكان محط اهتمام العديد من الحضارات القديمة. ويظهر هذا الاعتراف في التقاليد الفلكية القديمة، مثل الفلك الفارسي، حيث كان يُعتبر أحد “الحراس الأربعة للسماء”، ورمزًا للثروة والمجد والقوة والملكية.12 تؤكد الأبحاث الفلكية الحديثة على الخصائص المتميزة لقلب الأسد، بما في ذلك دورانه السريع، الذي يقارب 96.5% من سرعته الزاوية الحرجة اللازمة للتفكك.13 هذا الدوران السريع يسبب تشوهًا كبيرًا واستقطابًا، مما يعزز هيمنته الطبيعية كعلامة ملكية سماوية، ما يبرر دوره التاريخي في علم الفلك.

2.2. الوظيفة الرمزية لقلب الأسد كمؤشر بداري: “مرساة السماء”

يتم فهم مفهوم “مرساة الانحدار” (Regression Anchor) أو “مرساة السماء” (Sky Anchor) بشكل أفضل ضمن سياق التنظير الفلكي الغامض (esoteric astro-chronology) الذي يركز على تتبع الزمن العميق. يُفترض أن قلب الأسد/الأسد يعمل كعلامة كونية، حيث يقوم بـ “مراجعة مضاعفة” لحركة الشمس البدارية عبر الأبراج.8 يشير هذا التفسير إلى أن قلب الأسد ليس مجرد نجم، بل هو نقطة ثابتة افتراضية يتم قياس الدورة الكونية الأكبر بالنسبة إليها، مما يعكس نظامًا لتتبع الزمن العميق يتجاوز التقويمات الزراعية البسيطة (مثل دورة سيريوس/سوثيس).

ويعتقد مؤيدو هذا المفهوم أن هذا النجم كان يستخدم كمثبت (anchor) لدورة البدارية التي تستغرق 26,000 سنة، حيث يُستخدم انزياح الاعتدال بمقدار 1 درجة كل 72 سنة كدليل على هذه المعرفة الرياضية القديمة.8 هذا المفهوم يشير إلى أن مراقبة المواقع المدارية لنجوم مثل قلب الأسد كانت آلية لضمان أن الانزلاق البداري للشمس يتم تتبعه بدقة عبر فترات زمنية هائلة.

للإطلاع على علم الآثار الزائف (Pseudoarchaeology) 

2.3. المقارنة بين المراسي الفلكية: الرمزي مقابل التاريخ

إن تحليل الأدوار المنسوبة إلى قلب الأسد في سياق “المرساة” يبرز تناقضًا منهجيًا مهمًا بين نوعين من “التثبيت” الزمني. المرساة البدارية المرتبطة بقلب الأسد/الأسد هي مرساة مفاهيمية ورمزية، مرتبطة بدورة (26,000 سنة) لا يوجد دليل نصي على إدماجها في التقويم الرسمي المصري.1

في المقابل، استخدم علم الآثار الفلكي التقليدي أشكالاً أخرى من “المراسي” لتثبيت التسلسل الزمني الفعلي للعصر القديم. فعلى سبيل المثال، أظهر بحث كيت سبنس أن اتجاهات الأهرامات في الدولة القديمة قد تم تصميمها لتكون متوافقة مع الشمال الحقيقي عبر استخدام النقل المتزامن لنجمين يدوران حول القطب.6 إن نمذجة بدارية هذه النجوم (circumpolar stars) توفر تاريخاً دقيقاً لبدء بناء الهرم الأكبر بدقة تصل إلى $\pm$5 سنوات، مما يوفر “مرساة” قوية للتسلسل الزمني التاريخي (منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد).6 وهذا يوضح أن المصريين الأقدمين كانوا خبراء في الرصد الفلكي واستخدموه لتثبيت الزمن التاريخي الموثوق به، لكنهم فضلوا محاذاة النجوم القطبية القابلة للتحقق والدقيقة على حساب الحسابات النظرية التي تمتد لآلاف السنين.

Table 1: Key Astronomical Parameters of Axial Precession

 

المعلم القيمة/الوصف الأهمية بالنسبة للرصد القديم المصدر
مدة الدورة الكاملة (المدارية) تقريباً 25,772 – 26,000 سنة تُعرف العصور الفلكية (مثل عصر الأسد) 5 5
معدل التحول ~1 درجة كل 72 سنة عامل عددي يستخدم في حسابات البدارية والنسب الغامضة 8 8
فترة عصر الأسد (الاعتدال الربيعي) تقريباً 10,700 ق.م – 8,550 ق.م الفترة المقترحة لبناء/محاذاة أبو الهول 2

 

III. الأسد في مصر الأسرية: الرمزية والتقويم والعبادة الملكية

3.1. رمزية الأسد وعلاقته بالسلطة الملكية والكونية

كان الأسد يمثل رمزاً مركزياً في الديانة المصرية، إذ يجسد السلطة الملكية (königliche Autorität) والصلة بين الحاكم والنظام الكوني.15 كانت الإلهة الأسد، سخمت، تمثل القوة الشمسية المدمرة والطاعون، بينما كانت كوكبة الأسد نفسها مرتبطة بأفكار القوة والسيادة.15 إن تماثيل الأسد ونقوشه عكست هذه الأساطير، مؤكدة على العلاقة الوثيقة بين المثالية الملكية والصور السماوية.15

3.2. الأسد والدورة النيلية: العلاقة الفيضانية

إن الارتباط الأكثر أهمية بين كوكبة الأسد والتقويم المصري القديم كان ارتباطًا هيدرولوجيًا (مائياً)، وليس بداريًا طويل الأمد.12 كان دخول الشمس إلى برج الأسد يتزامن مع الفيضان السنوي لنهر النيل (Inundation)، وهو الحدث الذي يضمن الخصوبة والبقاء.12 وبسبب هذا الارتباط، كان المصريون يوقرون كوكبة الأسد لما ارتبط بها من “مياه مقدسة وخصبة”.12 وقد عززت أيقونات مزاريب المياه ذات رؤوس الأسود في المعابد دور الأسد كعلامة مرتبطة بالمياه الفيضانية الحيوية، مما يؤكد على وظيفة الأسد في السياق الزراعي والديني المصري اليومي.

3.3. ضبط الوقت الفلكي المصري: الديكانات ودورة سوتيس

ركز علم الفلك التطبيقي المصري بشكل شبه كامل على الدورات القصيرة والمتوسطة القابلة للرصد والتي كانت ضرورية للحياة الدينية والزراعية.15

  • الديكانات (Decans): تم تقسيم السماء إلى 36 مجموعة نجمية (الديكانات)، يظهر كل منها صعوداً هيلياكياً (heliacal rising) كل 10 أيام من السنة المدنية المصرية.17 استخدم هذا النظام لتقسيم الليل إلى ساعات متساوية، ما أدى في النهاية إلى تأسيس نظام اليوم المكون من 24 ساعة الذي لا يزال مستخدماً.16
  • الدورة السوثيسية (Sothic Cycle): لم يكن التقويم المدني المصري المكون من 365 يومًا يتوافق تمامًا مع السنة الشمسية، مما تسبب في انحرافه التدريجي. كان التقويم يعود للتوافق مع شروق سيريوس (Sothis، أو Spdt، الذي كان يتمتع بأهمية كبيرة في النصوص الهرمية) 1 مرة واحدة فقط كل 1460 سنة تقريبًا، وهي الفترة المعروفة بالدورة السوثيسية.16

هذا التركيز على دورات قابلة للرصد، مثل الديكانات والسوثيس، هو دليل على أولويات الرصد المصرية. وعلى الرغم من وجود أدلة نصية ومصورة وفيرة تتناول هذه الدورات الأقصر 1، إلا أنه لا يوجد دليل نصي واضح وواسع الانتشار من الفترات الاقتصادية والسياسية المستقرة يؤكد معرفة أو تطبيقًا مصريًا صريحًا لدورة البدارية الكاملة التي تبلغ 26,000 سنة.1

تؤكد هيمنة الأنظمة السوثيسية والديكانية أن الوظيفة الفلكية الرئيسية للأسد/قلب الأسد في مصر الأسرية كانت مرتبطة بالدورة السنوية (فيضان النيل) و الملكية (السلطة)، وليس بتأريخ الزمن الكوني العميق. وهذا يدل على أنه حتى لو كانت الحسابات البدارية معروفة، فمن المرجح أنها ظلت منفصلة تماماً عن تقويم الدولة الرسمي أو تم تداولها في سياقات ضيقة أو ربما دخلت مصر متأخرة عبر الاتصال اليوناني في العصر البطلمي.4

Table 2: Comparison of Egyptian Astronomical Chronological Markers

 

العلامة المرجعية مدة الدورة الأساسية الغرض في مصر الأسرية الدعم النصي/الأثري المصدر
الديكانات (36 مجموعة) 10 أيام ضبط الوقت الليلي، تحديد الاحتفالات، اليوم 24 ساعة 16 أغطية التوابيت، أسقف المعابد الفلكية، النصوص 17
الدورة السوثيسية (سيريوس) ~1,460 سنة مزامنة التقويم المدني مع السنة الزراعية (الفيضان) البرديات، قوائم الملوك، النصوص الكلاسيكية 16
محاذاة الأهرامات المدى القصير (الفترة الأسرية) تثبيت التسلسل الزمني للمملكة القديمة باستخدام عبور نجمي ثابت (نجوم قطبية) 6 أدلة معمارية، نمذجة فلكية دقيقة 6
عصر الأسد (مرساة قلب الأسد) ~2,150 سنة (العمر البرجي) علامة افتراضية لتأريخ الزمن العميق/الحضارة المفقودة لا يوجد في النصوص الأسرية التقليدية (علم آثار زائف) 1

 

IV. فرضية العصر الفلكي للأسد: النظرية والمؤيدون

4.1. أصل التأريخ المثير للجدل: شوالر دي لوبيتش وجون أنتوني ويست

نشأت فرضية التأريخ المبكر لأبو الهول وارتباطه بعصر الأسد من الأوساط الأكاديمية غير التقليدية، وتحديداً من مفكرين مثل رينيه شوالر دي لوبيتش (R. A. Schwaller de Lubicz)، الذي كان له تأثير فرنسي كبير في هذا المجال.2 جادل دي لوبيتش بأن جسم أبي الهول الذي يتخذ شكل الأسد، باستثناء الرأس، يُظهر “علامات لا يمكن إنكارها للتآكل المائي”.2 وقد استنتج أن “حضارة عظيمة يجب أن تكون قد سبقت التحركات الهائلة للمياه التي مرت فوق مصر” 2، مما يشير إلى أصل سابق للفترة الأسرية.

للإطلاع على علم الآثار الزائف ومصر القديمة

4.2. ادعاء المحاذاة الفلكية (10,500 قبل الميلاد)

ربط المؤيدون، ومنهم جون أنتوني ويست (John Anthony West) وروبرت بوفال (Robert Bauval)، الشكل الأسدي لأبي الهول بدورة البدارية.2 الفرضية الأساسية هي أن أبو الهول كان بمثابة علامة لـ “عصر الأسد” (Age of Leo) الذي بدأ حوالي 10,500 قبل الميلاد واستمر حتى حوالي 8,000 قبل الميلاد.2

يُزعم أنه في حوالي 10,500 قبل الميلاد، كان أبو الهول، الذي يواجه الشرق نحو الشمس المشرقة 19، محاذياً بشكل مثالي، ينظر إلى صورته الخاصة (كوكبة الأسد) وهي تشرق في الأفق مع الشمس وقت الاعتدال الربيعي.2 ويُعتقد أن هذا الارتباط الفلكي يفسر اختيار شكل الأسد، ويدعمه ويست كتقدير أكثر تطرفاً ولكنه يتوافق مع سجلات مصرية قديمة غامضة.2

4.3. حجر الزاوية: فرضية تآكل أبي الهول بالمياه

قدم الجيولوجي روبرت م. شوك (Robert M. Schoch) الدعامة العلمية الرئيسية للتأريخ المبكر. فقد جادل شوك بأن الشقوق العميقة والأسطح المتموجة الواضحة على جدران محيط أبي الهول وجسمه ما كان يمكن أن تحدث إلا بسبب هطول أمطار غزيرة وممتدة.20

بما أن الصحراء الكبرى أصبحت صحراء حديثة نسبياً، وتشكلت حوالي 10,000 قبل الميلاد، وبما أن المنطقة لم تشهد هطولاً كبيراً للأمطار منذ 7,000 سنة على الأقل 2، فقد استنتج شوك أن الهيكل الأساسي يجب أن يسبق التاريخ التقليدي المقبول (حوالي 2500 قبل الميلاد). هذا التقدير يدفع العمر إلى 7000 قبل الميلاد على الأقل، وربما يتوافق مع التاريخ الفلكي المحدد بـ 10,500 قبل الميلاد.2 بالإضافة إلى ذلك، يرى شوك وويست أن رأس أبي الهول نُحت لاحقًا ليأخذ شكل الفرعون، بينما كان الأصل هو رأس أسد.2

Table 3: The Sphinx Dating Controversy: Competing Evidence and Critique

 

فرضية التأريخ المبرر الأساسي الأدلة المستشهد بها من المؤيدين النقد السائد (الجيولوجي/المناخي) المصدر
التقليدية (الدولة القديمة) تحليل أسلوبي، سياق أثري (خفرع) القرب من هرم ومعبد خفرع؛ غياب أدلة على حضارة ما قبل الأسر 14 متسق مع التسلسل الزمني التاريخي المثبت والمراسي النجمية الدقيقة 6 6
عصر الأسد (10,500 ق.م) المحاذاة البدارية (اعتدال ربيعي في الأسد) أنماط تآكل مائي عميقة وواسعة على جدران المحيط 2 (1) البدارية لا تغير شدة الأمطار.14 (2) مستويات النيل المرتفعة كانت ستفكك النصب خلال تلك الحقبة.22 2

 

V. تحليل نقدي: علم الآثار الفلكي والجيولوجيا والإجماع المصرياتي

5.1. الرفض المصرياتي: غياب الدعم النصي والأثري

يصنف الإجماع الأكاديمي السائد فرضيات مثل ارتباط أبو الهول بعصر الأسد أو “نظرية ارتباط أوريون” على أنها علم آثار زائف (pseudoarchaeology) أو تاريخ زائف (pseudohistory).19 هذا التصنيف ينبع من عدم وجود أي دليل نصي أو واقعي أو أثري يدعم وجود حضارة متطورة ومنظمة قادرة على بناء نصب بهذا الحجم في مصر حوالي 10,500 قبل الميلاد.14 إن الأدلة المتاحة، مثل قوائم الملوك (مثل قوائم مانيتون وحجر باليرمو)، ترسخ الخطوط العريضة للتاريخ المبكر للدولة القديمة في الألفية الثالثة قبل الميلاد.1

على الرغم من أن بعض الباحثين (مثل غراهام هانكوك) حاولوا إثبات أن المصريين الأقدمين قد قاموا بترميز معرفة البدارية والدورة الكبرى (25,920 سنة) في أبعاد الهرم الأكبر، فإن هذا الادعاء قد تم تفنيده لأنه يتطلب استدلالاً وتأويلاً قسرياً للبيانات العددية.9 حتى لو كان المصريون قد قدروا الدورة البدارية، فإن غياب الأدلة النصية التي تدمج هذه المعرفة في التقويمات الدينية أو الرسمية يجعل من الصعب جداً قبولها كعامل تأسيسي في بناء أبو الهول.

للإطلاع على علم التنجيم الكوني:الأصول، المنهجيات، والنقد الأكاديمي

5.2. النقد الجيولوجي والمناخي لفرضية التآكل المائي

يواجه الادعاء بأن تآكل أبي الهول نتج عن هطول أمطار غزيرة في الألفية العاشرة قبل الميلاد اعتراضات قوية ومبنية على أسس علمية جيولوجية ومناخية.

أ. البدارية وشدة الطقس

يُظهر التحليل العلمي أن بدارية المحور الأرضي، التي تبلغ دورتها حوالي 26,000 سنة، تتسبب فقط في انزياح الفصول (وبالتالي أنماط الطقس) نحو أشهر أبكر في السنة، ولكنها لا تسبب تغييراً في شدة الطقس أو الكمية الإجمالية للأمطار التي تتلقاها منطقة معينة.14 بمعنى آخر، إذا كانت الأمطار شحيحة حول الهرم في الوقت الحاضر، فإن الكمية الإجمالية للأمطار قبل 7000 أو 10,000 سنة لن تتغير بشكل جوهري بسبب البدارية.14 لذلك، لا يمكن لدورة البدارية وحدها أن تفسر التحول الدراماتيكي من المناخ الصحراوي القاحل إلى ظروف الأمطار الغزيرة اللازمة لإحداث التآكل المزعوم.

ب. الواقع الهيدرولوجي والنيل المرتفع

النقد الأكثر أهمية يتعلق بالوضع الهيدرولوجي لمصر خلال الفترة الرطبة الإفريقية (African Humid Period)، التي امتدت تقريباً بين 14,000 و 5,000 سنة مضت.22 تشير الأبحاث الجيولوجية إلى أن مستويات نهر النيل في موقع الجيزة كانت مرتفعة للغاية خلال الفترة التي يُفترض فيها هطول الأمطار الغزيرة (بين 11,000 و 5,000 سنة مضت)، لدرجة أن محيط أبو الهول وجسم التمثال كانا سيغمران بالكامل تحت الماء لآلاف السنين.22

إن هذه الحقيقة الجيولوجية تخلق معضلة لا يمكن التغلب عليها: إذا كان أبو الهول موجودًا خلال فترة الأمطار الغزيرة (كما يدعي شوك)، فإنه كان سيكون مغمورًا في مياه النيل المرتفعة. وبما أن أبو الهول منحوت من الحجر الجيري المسامي (limestone)، فإن الغمر المستمر تحت الماء لما يقرب من 6,000 سنة لن يؤدي فقط إلى التآكل، بل كان سيؤدي إلى تفكك الهيكل بالكامل، خاصة في مناطق الضعف مثل رقبة التمثال.22 إن بقاء أبو الهول دليلاً مادياً ضد بناءه في تلك الفترة التي شهدت غمرًا مائياً هائلاً.

ج. آليات التجوية البديلة

يشير الإجماع الأكاديمي إلى أن التآكل الملاحظ قد يكون ناتجًا عن آليات تجوية محلية تتوافق مع بيئة قاحلة. تشمل هذه الآليات التآكل بفعل الرياح والرمل المشبع بالماء 23، والأهم من ذلك، التبلور الملحي (salt crystallization). تحدث هذه الظاهرة عندما تتراكم الأملاح الموجودة بشكل طبيعي في الحجر الجيري أو تذوب في ندى الصباح القليل، ثم تتبلور داخل مسام الصخر وتتسبب في تقشير سطح التمثال.23

إن تفسير شوك للتآكل كدليل على الأمطار يُظهر أيضًا اختلافات في متانة الحجر الجيري على مستويات مختلفة من المحيط.24 ولكن هذه الاختلافات في المسامية، التي قد تكون ناتجة عن تسرب مياه الأمطار قبل 5000 قبل الميلاد، لا تدل بالضرورة على عمر أبو الهول، حيث إن هذه الخصائص الجيولوجية (paleokarst features) كان يمكن أن تكون موجودة في الصخر قبل نحت النصب بفترة طويلة.24

5.3. التأريخ التقليدي والتثبيت الزمني

يقوم التأريخ التقليدي لإنشاء أبي الهول بربطه بشكل قاطع بعهد الفرعون خفرع (حوالي 2558–2532 قبل الميلاد)، بناءً على أدلة سياقية وأثرية (مثل مجمعه الهرمي).19 إن استخدام المحاذاة النجمية الدقيقة التي قدمتها الأبحاث الحديثة، مثل نمذجة بدارية النجوم القطبية لتحديد بناء الهرم الأكبر بدقة تصل إلى $\pm$5 سنوات 6، يثبت أن الفترة الزمنية للدولة القديمة ثابتة ومسندة بأدلة قوية ومتوافقة مع السجلات النصية. وهذا يؤكد أن علم الفلك لعب دوراً في تثبيت الزمن التاريخي، ولكنه كان يعتمد على حسابات قصيرة المدى وقابلة للتحقق، وليس على دورات طويلة غامضة مثل عصر الأسد.

VI. الخلاصة: توليف المعرفة البدارية والممارسة المصرية

6.1. إعادة تقييم “مرساة الانحدار”: دمج قلب الأس

يعد مفهوم “مرساة الانحدار” (المرتبطة بقلب الأسد والأسد) جهازاً مفاهيمياً صالحاً في علم الفلك الكوني العالمي، وقد أشار إليه بعض الباحثين في سياق الأفكار الكونية الأوسع التي تتجاوز مصر (مثل النصوص الأفستية التي تتحدث عن 100 قصر).8 ومع ذلك، في سياق الممارسة المصرية القديمة الموثقة (اعتماداً على المصادر الإنجليزية والفرنسية والألمانية)، تشير الأدلة بشكل قاطع إلى أن وظيفة الأسد كانت رمزية في المقام الأول، مرتبطة بالملكية والقوة والفيضان السنوي للنيل.12

لم يقم المصريون القدماء بترميز الدورة البدارية الكبرى (26,000 سنة) في تقويمهم الرسمي. لقد كان تركيزهم على الدورات القابلة للرصد والقابلة للتنبؤ اللازمة لحياة الدولة والعبادة (الديكانات، ودورة سوتيس التي تستغرق 1460 سنة).16 إذا كانت هناك معرفة بالدورة البدارية الطويلة، فمن المحتمل أنها كانت محصورة في دوائر سرية للغاية أو تم نقلها عبر مصادر هيلينستية لاحقة، بعيداً عن مهندسي وبناة الدولة القديمة الذين اعتمدوا على المراسي النجمية الدقيقة قصيرة المدى.6

6.2. التقييم النهائي لفرضية عصر الأسد

تستمد فرضية عصر الأسد جاذبيتها من دمج المحاذاة الفلكية (الاعتدال الربيعي في الأسد) والشكل المعماري (شكل الأسد لأبي الهول) والأدلة الجيولوجية المزعومة (التآكل المائي).

ومع ذلك، يفشل هذا النموذج في الصمود أمام التدقيق الأكاديمي الصارم. يتلخص النقد الأكاديمي بثلاثة مستويات متكاملة:

  1. النقد الفلكي/المناخي: لا يمكن تفسير التغيير في شدة الأمطار بالبدارية وحدها.14
  2. النقد الهيدرولوجي: الفترة التي كان من الممكن أن تحدث فيها الأمطار الغزيرة (الفترة الرطبة الإفريقية) تزامنت مع مستويات نيل مرتفعة للغاية، كان من شأنها أن تدمر أبو الهول مادياً.22
  3. النقد الأثري والنصي: هناك غياب تام للأدلة الداعمة لوجود حضارة معقدة قادرة على بناء أبو الهول في الألفية العاشرة قبل الميلاد، وتتناقض هذه الفرضية مع التسلسل الزمني الثابت والمراسي النجمية الدقيقة التي تؤرخ الدولة القديمة.6

وبالتالي، يتم التعامل مع الفرضية المتعلقة بتأريخ أبو الهول لعصر الأسد (10,500 قبل الميلاد) على نطاق واسع في الأوساط الأكاديمية باعتبارها نظرية هامشية أو علم آثار زائف، حيث تتفوق الأدلة المستمدة من الجيولوجيا والسياق الأثري والتأريخ الفلكي الدقيق (باستخدام المحاذاة القطبية) في تثبيت النصب ضمن التسلسل الزمني المعروف للدولة القديمة.

Works cited

  1. Ramsey CB, Dee MW, Rowland JM, Higham TFG, Harris SA, Brock F, et al. Radiocarbon-based chronology for dynastic Egypt. Science 2010;328:1554 – PMC – NIH, , https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC4522578/
  2. Is the Sphinx actually 36000 Years Old? Part II – Steemit, , https://steemit.com/history/@eoincurran/is-the-sphinx-actually-36-000-years-old-part-ii
  3. Die Ägyptische Sphinx: Wächter der Ewigkeit, Stimme vergessener Könige, , https://egyptra.com/die-agyptische-sphinx-wachter-der-ewigkeit-stimme-vergessener-konige/
  4. L’astronomie égyptienne depuis les temps les plus reculés jusqua’à la fin de l’époque alexandrine – Google Books, , https://books.google.com/books/about/L_astronomie_%C3%A9gyptienne_depuis_les_temp.html?id=dxYLAAAAMAAJ
  5. Astronomie von der Frühgeschichte bis zur Neuzeit/ Druckversion – Wikibooks, Sammlung freier Lehr-, Sach- und Fachbücher, , https://de.m.wikibooks.org/wiki/Astronomie_von_der_Fr%C3%BChgeschichte_bis_zur_Neuzeit/_Druckversion
  6. Ancient Egyptian chronology and the astronomical orientation of pyramids – ResearchGate, , https://www.researchgate.net/publication/12228975_Ancient_Egyptian_chronology_and_the_astronomical_orientation_of_pyramids
  7. Axial precession – Wikipedia, , https://en.wikipedia.org/wiki/Axial_precession
  8. 19. THE ICONOGRAPHY OF ANCIENT ASTRONOMY © Asia Haleem – THE LAYISH WEBSITE, , http://www.layish.co.uk/ch19s.pdf
  9. A Critique of Graham Hancock’s Forced Numerical Relationship between the Great Pyramid of Giza and Earth’s Dimensions – 1 – Hall of Maat, , https://www.hallofmaat.com/numerology/a-critique-of-graham-hancocks-forced-numerical-relationship-between-the-great-pyramid-of-giza-and-earths-dimensions-1/
  10. Zyklus der Präzession – Wikipedia, , https://de.wikipedia.org/wiki/Zyklus_der_Pr%C3%A4zession
  11. Regulus – Wikipedia, , https://en.wikipedia.org/wiki/Regulus
  12. le Lion (Mars) – Constellations – observatoire-ependes.ch, , https://observatoire-ependes.ch/fr/actualites/constellations/lion
  13. Polarization due to rotational distortion in the bright star Regulus, , https://research.usq.edu.au/item/wz8wq/polarization-due-to-rotational-distortion-in-the-bright-star-regulus
  14. Determination of age of Egyptian sphinx located in the front of the pyramids, , https://medcraveonline.com/IJH/determination-of-age-of-egyptian-sphinx-located-in-the-front-of-the-pyramids.html
  15. Die mythologische Bedeutung der Sternbilder im alten Ägypten – sekitarBANDUNGcom, , https://www.sekitarbandung.com/die-mythologische-bedeutung-der-sternbilder-im-alten-agypten/
  16. L’astronomie de l’Egypte ancienne, , https://astronomes.com/histoire-astronomie/astronomie-egypte-ancienne/
  17. [ArchéoAstronomie] Astronomie en Egypte ancienne – Culture Diff, , https://www.culturediff.org/astroegypto.htm
  18. Les Astres dans les Textes Religieux en Égypte Antique et dans les Hymnes Orphiques 9781841719641, 9781407329826 – DOKUMEN.PUB, , https://dokumen.pub/les-astres-dans-les-textes-religieux-en-egypte-antique-et-dans-les-hymnes-orphiques-9781841719641-9781407329826.html
  19. Great Sphinx of Giza – Wikipedia, , https://en.wikipedia.org/wiki/Great_Sphinx_of_Giza
  20. Robert M. Schoch: Research Highlights The Great Sphinx, , https://www.robertschoch.com/sphinx.html
  21. Sphinx water erosion hypothesis – Wikipedia, , https://en.wikipedia.org/wiki/Sphinx_water_erosion_hypothesis
  22. Is the Giza sphinx 12k years old? – YouTube, , https://www.youtube.com/watch?v=Gnm7y2m10OQ
  23. Is the Great Sphinx twice as old as Egyptologists and archaeologists think, based on recent geological evidence | Encyclopedia.com, , https://www.encyclopedia.com/science/science-magazines/great-sphinx-twice-old-egyptologists-and-archaeologists-think-based-recent-geological-evidence
  24. The Sphinx Controversy: Another Look at the Geological Evidence – Hall of Maat, , https://www.hallofmaat.com/sphinx/the-sphinx-controversy-another-look-at-the-geological-evidence-2/

 

  • Related Posts

    استخدام الكربون المشع في كشف الآثار المصرية القديمة

    لطالما اعتمد التسلسل الزمني التاريخي المصري (EHCs) على مصادر نسبية مستمدة من القوائم الملكية، والسجلات النصية، والتسلسلات الجينية، وبعض الملاحظات الفلكية القديمة.1 توفر هذه المصادر إطارًا تسلسليًا (relative chronology) وتحديدًا…

    علم الفلك الإثني (Ethnoastronomy): النطاق المنهجي والتطبيقات الكونية

    يُعرّف علم الفلك الإثني (Ethnoastronomy) بأنه فرع بحثي متعدد التخصصات يدمج بين عناصر من علم الفلك والتاريخ وعلم الأعراق (Ethnology) أو الأنثروبولوجيا.1 يتمحور هذا المجال حول دراسة المعتقدات والممارسات الفلكية…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    You Missed

    ماذا لو كانت رواية دوستويفسكي ناطحة سحاب؟

    • 78 views
    ماذا لو كانت رواية دوستويفسكي ناطحة سحاب؟

     الهندسة الأدبية: كيف نبني قصة؟ رواية ليالٍ بيضاء

    • 105 views
     الهندسة الأدبية: كيف نبني قصة؟ رواية ليالٍ بيضاء

    أركان المذهب الوجودي لدوستويفسكي ومنظومته الفلسفية

    • 162 views
    أركان المذهب الوجودي لدوستويفسكي ومنظومته الفلسفية

     أربع أفكار صادمة من رواية الإخوة كارامازوف

    • 149 views
     أربع أفكار صادمة من رواية الإخوة كارامازوف

    طبيعة الجريمة والذنب والمسؤولية في الإخوة كارامازوف

    • 122 views
    طبيعة الجريمة والذنب والمسؤولية في الإخوة كارامازوف

    الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب

    • 130 views
    الإخوة كارامازوف وعقدة قتل الأب